امى واخويا ( حكاوي شيمو)

لمحة نيوز

"أخويا الصغير كان بيصحى على صوت أمي وهي بتقوله: “اصحى يا حبيبي، الفطار جاهز”… وأنا كنت بصحى على صوتها وهي بتخبط على بابي بعصبية: “قوم انزل الشغل بدل ما نترمي في الشارع!”.
هو كان بياخد مصروفه جاهز في إيده، وأنا كنت بطلع فلوسي من عرقي، وبحطها في إيدها من غير حتى ما تسألني: “اتفضلت ولا تعبت؟”.
هو كان بيغير موبايله كل سنة، وأنا موبايلّي بقاله سنين بيهنّج ومكسور… ولما اشتكيت، قالتلي: “أخوك لسه صغير، لازم نفرحه”.
الصغير؟!
ده بقى عنده ٢٠ سنة… وأنا من ١٦ سنة شايل البيت!
فاكرة يوم ما رجعت تعبان، هدومي كلها تراب، وإيدي مجروحة من الشغل… دخلت لقيته قاعد على الكنبة بيلعب وبيضحك، وأمي قاعدة جنبه بتقشر له فاكهة… بصيت لها وقلت:
"أنا تعبت… مش قادر أكمل كده"
ردت عليا من غير ما تبصلي حتى:
"استحمل شوية عشان أخوك، ده ملوش غيرك"
ساعتها حسيت إن قلبي اتكسر مش من التعب… من الظلم.
عدت سنين وأنا شايل… مصاريفه، دراسته، خروجاته… حتى غلطاته كنت أنا اللي بدفع تمنها.
لحد ما في يوم… جسمي كله سابني فجأة في الشغل، ووقعت على الأرض… ومفيش غير كلمة واحدة كانت بتلف في دماغي:
"أنا مش بني آدم؟"
فوقت بعدها بساعات… فتحت عيني لقيت أمي واقفة… بس مش باينة عليها خوف… ولا حتى قلق.
أول كلمة قالتها كانت:
"طب هتقوم امتى؟ أخوك محتاج فلوس بكرة!"
ساعتها… لأول مرة… ضحكت.
ضحكة غريبة… وجعها أكتر من العياط.
لأني أخدت قرار… قرار ممكن يهد البيت كله…
وممكن يخلّي أمي تندم على كل لحظة فرّقت فيها بيني وبين أخويا…
يا ترى عملت إيه؟ وهل فعلاً قدرت أخرج من الدوامة دي… ولا اللي حصل بعدها كان أسوأ؟ 😶

حكاوي شيمو 

"ضحكت… بس الضحكة دي كانت بداية النهاية.
بصيت لأمي وأنا على سرير المستشفى، وقلت بهدوء غريب:
"أنا مش هشتغل تاني… ومش هدفع جنيه واحد كمان."
سكتت… كأنها مستوعبتش.
وبعدين قالت بحدة:
"يعني إيه الكلام ده؟! إحنا عايشين من وراك!"
رديت وأنا ببص في عينيها لأول مرة من غير خوف:
"أنا كمان كنت عايش عليكم… بس واضح إني كنت لوحدي."
خرجت من المستشفى وأنا مش معايا غير هدومي… وسايب ورايا سنين من القهر.
ما رجعتش البيت.
استأجرت أوضة صغيرة، سرير ومروحة وصمت… بس الصمت كان أرحم بكتير من صوت المقارنة والضغط.
في الأول كان صعب… صعب جدًا.
إني أصحى ومفيش حد بيطلب مني حاجة، مفيش حد مستنيني أصرف عليه…
بس برضه مفيش حد بيسأل عليا.
عدت أيام… وبعدين أسابيع…
مفيش مكالمة من أمي.
ولا حتى رسالة.
بس في يوم… تليفوني رن.
رقمها.
رديت…
صوتها كان مختلف، أول مرة أحس فيه بشيء شبه الضعف:
"إنت فين؟"
قلت ببرود:
"في حالي."
سكتت شوية… وبعدين قالت:
"أخوك…"
وقفت كلامها، كأنها بتبلع حاجة مرة.
"أخوك بقى مش عايز يشتغل… وبيطلب فلوس زي الأول… وأنا مش قادرة."
ضحكت… نفس الضحكة الوجعة.
"مش هو كان صغير؟ خليه يكبر بقى."
قفلت السكة… بس قلبي كان بيدق بسرعة.
مش شماتة… لا.
كان إحساس غريب بين الراحة والوجع.
بعدها بأيام… جالي خبر إن أخويا باع حاجته… الموبايل الجديد، حتى هدومه الغالية… بس برضه مش عارف يتحمل.
اتعود ياخد… عمره ما اتعلم يدي.
وأمي؟
ابتدت تتعب… الضغط والسكر عليوا فجأة.
ومافيش حد جنبها.
فضلت مقاوم… قلت لنفسي: "دي مش مسؤوليتي تاني."
بس الحقيقة؟
كان في صوت جوايا بيأنبني كل يوم.
لحد ما في ليلة… حلمت بيها.
قاعدة لوحدها، بتبص على باب مقفول… وبتقول:
"هو أنا غلطت أوي كده؟"
صحيت وأنا مخنوق.
تاني يوم… لقيت نفسي واقف قدام البيت.
نفس الباب… بس أنا مش نفس الشخص.
خبطت.
فتحت أمي… أول ما شافتني، عينيها دمعت… بس ما قالتش كلمة.
دخلت… لقيت أخويا قاعد ساكت، مكسور لأول مرة.
مش الولد المدلل… لأ، حد تايه.
بصلي وقال بصوت واطي:
"أنا آسف… أنا ماكنتش فاهم."
الكلمة دي… كانت كفيلة تكسر كل الجدار اللي بنيته.
قعدت… سكت شوية… وبعدين قلت:
"اللي فات مات… بس اللي جاي لازم يتغير."
ومن اليوم ده… كل حاجة اتقلبت.
أخويا نزل يشتغل… في الأول تعب، اتبهدل… بس بدأ يحس بقيمة القرش.
أمي… بطلت تقارن، بطلت تفرق… يمكن متأخر، بس اتعلمت.
وأنا؟
رجعت… بس مش زي الأول.
رجعت بشروط… بحدود… بنفسي اللي أخيرًا بقت مهمة.
بقينا نقعد سوا… نضحك، نغلط، نتعلم… بس المرة دي، كل واحد شايل نفسه.
وفي يوم… أمي بصتلي وقالت:
"سامحني… أنا كنت فاكرة إني بحميه… بس كنت بكسرك."
ابتسمت… وقلت:
"وأنا كنت فاكر إن السكوت قوة… بس طلع ضعف."
النهاية؟
مش مثالية… بس حقيقية.
بيت اتبنى من جديد… مش على حساب حد، ولا على كتف حد…
بيت أخيرًا فيه عدل.
وأنا واقف في البلكونة، بصيت لأخويا وهو نازل الشغل، وأمي بتدعيله…
حسيت بحاجة أول مرة أحسها من سنين…
راحة.

تم نسخ الرابط