يستحيل تكونى ام حكاوي شيمو
"أنا آسفة… بس التحاليل بتقول إنكِ مستحيل تخلفي."
الجملة نزلت على قلبي وقتها كأن حد كب عليّا تلج. بصيت للدكتورة وأنا مش قادرة أستوعب، ولساني تقيل، وإيديا بتترعش فوق حجابي.
قولتلها بصوت مكسور: — يعني إيه يا دكتورة؟ يعني عمري ما هسمع حد يناديني يا ماما؟
الدكتورة سكتت شوية، وبعدها قالت بحنية: — كل شيء بإيد ربنا… بس طبيًا الفرصة ضعيفة جدًا.
خرجت من العيادة وأنا حاسة إن الدنيا كلها ضلمة. وجوزي كان مستنيني بره. أول ما شاف وشي، فهم من غير ما أتكلم.
قال وهو بيشدني لحضنه: — حتى لو الدنيا كلها قالت لأ… ربنا يقول كُن فيكون.
بس الناس؟ الناس ما سكتتش.
حماتي كانت كل يوم تلمح: — ابني يستاهل طفل يشيل اسمه.
وأخته كانت تتعمد تقول قدامي: — في رجالة كتير بيتجوزوا عشان الخلفه… وده حقهم.
كنت بدخل أوضتي وأكتم صوت عياطي في المخدة عشان محدش يسمعني. وفي ليلة… وأنا بصلي قيام الليل، قلت جملة واحدة بس:
"يارب… لو حرمتني من حاجة، عوضني بعوض ينسيني وجعي كله."
ومن هنا بدأت الحكاية اللي عمري ما كنت أتخيل إن نهايتها هتخليني أبكي من الفرحة…
يا ترى كان ايه العوض تفتكروا
القصة حصرى على #حكاوي_شيمو 👇
في الليلة دي… بعد ما خلصت صلاة، فضلت قاعدة على السجادة أبكي بصمت. قلبي كان موجوع بطريقة عمري ما حسّيتها قبل كده. كنت حاسة إني ناقصة… وإن كل الستات حواليّا سابقاني بحاجة أنا محرومة منها.
جوزي "محمود" دخل الأوضة بهدوء، وشافني. قرب مني وقعد على الأرض جنبي وقال: — لسه بتفكري في كلامهم؟
مسحت دموعي بسرعة وقولت: — هو أنا فعلًا ظالماك معايا يا محمود؟
وشه اتغير فورًا، ومسك إيدي بقوة: — أوعي تقولي كده تاني. إنتِ نعمة من عند ربنا… وأنا لو اتخيرت ألف مرة هختارك إنتِ.
بكيت أكتر. مش عشان الوجع… لأ. عشان أول مرة أحس إن حد شايف روحي مش بس قدرتي على الخلفه.
مرت الشهور… وحماتي ما بطلتش ضغط.
في كل عزومة لازم كلمة. في كل مناسبة لازم نظرة شفقة. لحد اليوم اللي سمعتها فيه بتقول لجوزي: — يا ابني العمر بيجري… اتجوز وخلف، وهي خليها على ذمتك لو عايز.
كنت واقفة ورا الباب. والكلام دخل في قلبي زي السكينة.
استنيت رد محمود وأنا جسمي كله بيرتعش.
لكنه قال بمنتهى الحزم: — أمي… لو سمحتِ متفتحيش الموضوع ده تاني. مراتي مش آلة خلفه، دي إنسانة، وأنا بحبها.
حماته اتنهدت بعصبية: — الحب مش هيجيب عيال!
فرد وهو بيبصلها بثبات: — وربنا قادر يجيب العوض من أوسع باب.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام.
لكن رغم حب محمود… كنت بتكسر من جوايا حتة حتة. وبقيت أخاف أبص في وش أي طفل.
وفي يوم… كنت راجعة من الشغل، والمطر نازل بشدة. الشارع كان زحمة، والناس بتجري تستخبى.
وفجأة… سمعت صوت عياط طفل.
لفيت ببصري لحد ما لقيت بنت صغيرة قاعدة جنب الرصيف، هدومها متبهدلة وبتترعش من البرد.
قربتلها بسرعة: — حبيبتي… إنتِ لوحدك؟
رفعت وشها الصغير، وكانت عينيها حمرا من العياط. وقالت: — ماما نايمة ومش بتصحى…
اتجمد الدم في عروقي.
مشيت معاها لحد حارة ضيقة، ودخلت أوضة صغيرة شبه الخرابة. وهناك… لقيت أمها على الأرض.
الست كانت متوفية.
البنت فضلت تشد في هدومي وهي بتعيط: — صحّيها… عشان خاطري صحّيها…
المشهد ده كسر قلبي بالكامل.
بلغنا الشرطة، وعرفت بعدها إن البنت اسمها "جنة"، وإن مالهاش حد. لا أب، ولا قرايب، ولا بيت يحتويها.
يومها رجعت البيت وأنا مش قادرة أنام. صوتها وهي بتقول "صحّيها" كان بيدور في دماغي طول الليل.
تاني يوم قلت لمحمود: — أنا مش قادرة أنسى البنت دي.
سكت شوية وقال: — وأنا من ساعة ما حكيتِلي عنها حاسس إن ربنا باعتها لينا لسبب.
بصيتله بصدمة: — قصدك إيه؟
ابتسم بهدوء: — نجرب نكفلها؟
اتخشبت مكاني. قلبي دق بعنف.
قولت بخوف: — يعني… تبقى معانا؟
رد بابتسامة: — يمكن ده العوض اللي ربنا مخبيهولنا.
ولأول مرة من شهور… ابتسمت من قلبي.
بدأت الإجراءات، وكانت طويلة ومتعبة. وفي النص ناس كتير اتدخلت.
حماتي أول ما عرفت قامت الدنيا: — يعني لا خلفتوا ولا سبتوا الناس في حالها؟! هتربوا بنت متعرفوش أصلها!
كنت هانهار من كلامها. لكن محمود وقف قدامها وقال: — الأصل الحقيقي هو التربية والأخلاق… مش الدم وبس.
وبعد شهور… دخلت جنة بيتنا.
كانت خايفة جدًا. كل ما أقرب منها تبعد. وكل ما حد يعلي صوته ترتعش.
واضح إنها شافت قسوة كتير وهي صغيرة.
في أول ليلة… صحيت على صوت بكاء خافت.
قمت لقيتها قاعدة في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها.
قربت منها بهدوء: — مالك يا حبيبتي؟
قالت وهي مرعوبة: — إنتوا هترجعوني؟
حسيت قلبي بيتقطع. حضنتها لأول مرة، وقلت: — لا يا جنة… إنتِ بقيتي بنتي.
البنت فضلت تبكي في حضني وقت طويل… وأنا ببكي معاها.
ومن يومها… البيت اتغير.
الضحكة رجعت. الأكل بقى له طعم. والروح دبت في المكان.
جنة كانت ذكية جدًا، وحنينة بطريقة تخطف القلب. كل يوم تتعلق بيا أكتر.
وفي مرة كنت تعبانة، صحيت لقيتها مغطّياني وبتهمس لمحمود: — ماما شكلها بردانة.
الكلمة وقفت الزمن جوايا.
"ماما."
دخلت الحمام يومها وفضلت أبكي من الفرحة.
بعد سنة… حماتي تعبت جدًا ودخلت المستشفى.
الغريب؟ إن أكتر حد كان جنبها جنة.
كانت تطعمها بإيديها، وتقرأ لها قرآن، وتعدل لها المخدة.
وفي ليلة… حماتي نادتني بصوت ضعيف.
قالت وهي دموعها نازلة: — سامحيني… أنا كنت عمياء.
سكتت شوية وبصت لجنة اللي نايمة على الكرسي جنبها. وقالت: — البنت دي علمتني إن العوض مش لازم يطلع من البطن… ممكن يطلع من رحمة ربنا.
حضنتها وقتها لأول مرة من سنين.
ومرت الأيام…
جنة كبرت، وبقت من أوائل المدرسة. وفي حفلة تكريمها، طلعت المسرح وقالت قدام الناس كلها:
— أحب أشكر أمي وأبويا… لأنهم اختاروني بقلبهم، مش بالدم.
ساعتها محمود مسك إيدي، وأنا كنت بعيط ومش قادرة أوقف دموعي.
افتكرت الليلة اللي كنت بسأل فيها: "يارب… لو حرمتني من حاجة، عوضني بعوض ينسيني وجعي كله."
وفهمت وقتها… إن عوض ربنا لما بييجي، بييجي بطريقة تخليك تنسى كل اللي فات.
وأحيانًا… القلب اللي اتكسر ألف مرة، هو نفسه اللي ربنا بيختاره عشان يدوق أعظم فرحة.