الورث ( حكاوي شيمو)
"أخويا الكبير وقف قدام الناس يوم دفنة أبويا وقال بصوت ثابت:
ـ البيت والأرض والمحلات خلاص بقوا بتوعي… واللي مش عاجبه يروح المحكمة.
ساعتها أمي شهقت، وأختي الصغيرة انهارت في العياط، وأنا كنت واقفة ببصله ومش فاهمة… إزاي الراجل اللي أبويا كان شايله فوق راسه طول عمره، يطلع أول واحد ينهش فينا بعد موته؟!
لسه ريحة الكفن في البيت… ولسه سجادة العزا مفروشة… ولسه كوب الشاي اللي أبويا شرب منه قبل ما يموت موجود مكانه… وهو كان بيفتش في الدواليب على العقود!
قرب مني وهمس:
ـ أبوكي كتب كل حاجة باسمي قبل ما يموت.
بصيتله بصدمة وقلت:
ـ مستحيل… أبويا عمره ما يظلمنا.
ابتسم ابتسامة خوفتني وقال:
ـ يبقى اسألي أمك كانت مخبية عنكم إيه بقالها عشرين سنة…
الكلمة نزلت عليا زي السكينة.
لفّيت لأمي لقيتها وشها اصفر وبتترعش، ولأول مرة في حياتي شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وفي نفس الليلة… وأنا بدور على أي ورق يثبت حقنا، سمعت صوت خبط جاي من أوضة أبويا المقفولة من يوم وفاته.
الباب كان بيتفتح بالراحة… مع إن كلنا كنا قاعدين بره!
دخلت بخطوات مترددة… ولقيت شخص واقف قدام الخزنة، ولما لفّ ناحيتي اتجمد الدم في عروقي، لأن اللي شوفته وقتها كان آخر حد ممكن أتوقعه…
نكمل أول تعليق!"
الشخص اللي كان واقف قدام الخزنة… كان خالي "سيد".
أخو أمي اللي مقاطعنا من سنين، واللي محدش شافه حتى يوم العزا.
أمي أول ما شافته شهقت وقالت بخوف:
ـ إنت جيت ليه؟!
بصلها بنظرة طويلة وقال:
ـ جيت أصلح الغلط اللي سكتِّي عنه عشرين سنة.
أخويا الكبير اتعصب وزعق:
ـ محدش له دعوة! البيت ده بيتي والورق معايا!
خالي ضحك ضحكة باردة وقال:
ـ الورق اللي معاك مزور يا حامد… وأبوك مات وهو ناوي يفضحك.
ساعتها البيت كله سكت.
حتى النفس بقى مسموع.
أخويا قرب منه بعصبية:
ـ إنت بتتهمني؟
خالي فتح الخزنة بهدوء، وطلع ظرف أصفر قديم، عليه بخط أبويا:
"ما يتفتحش إلا بعد موتي."
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه.
لقيت جواب طويل من أبويا… وكل كلمة فيه كانت بتكسر قلبي.
"لو بتقري الجواب ده يا بنتي… يبقى أنا مت، ويبقى حامد عمل اللي كنت خايف منه.
أنا عارف إنه زور إمضتي عشان ياخد كل حاجة، وعارف إنه استغل تعبي في آخر شهوري. بس أنا سيبت الدليل الحقيقي عند خالك سيد."
أخويا اتلخبط ووشه قلب ألوان.
وأمي قعدت تعيط بحرقة وهي بتقول:
ـ سامحني يا حاج… سامحني إني خفت.
خالي طلع تسجيل من موبايله… صوت أبويا بنفسه، وهو بيقول إن الورق اللي اتنقل باسم حامد اتعمل بالغصب بعد ما هددوه بدار المسنين وإنه كان رافض يظلم بناته.
أختي وقعت على الأرض من العياط.
وأنا حسيت إني لأول مرة بشوف أخويا الحقيقي.
طلع جشعه أكبر من أي حاجة.
حتى أبويا المريض ما رحمهوش.
لكن الصدمة الأكبر… كانت لما خالي قال:
ـ ولسه في حاجة محدش يعرفها.
وبدأ يحكي…
قبل سنين، أبويا كان كاتب قطعة أرض كبيرة باسم أمي عشان يأمّن مستقبلنا.
الأرض دي وقتها كانت صحراء ومحدش مهتم بيها.
لكن من سنة بس الحكومة دخلت المنطقة دي مشاريع، وبقت الأرض بالملايين.
حامد عرف بالصدفة، ومن يومها وهو بيخطط ياخد كل حاجة لنفسه.
عشان كده كان مستعجل على الورث.
وعشان كده كان بيضغط على أبويا وهو عيان.
في الليلة دي لأول مرة أمي رفعت عينها فيه وقالت بصوت مكسور:
ـ أنا ربيت وحش… مش ابني.
حامد حاول ينكر، لكن خالي كان مجهز كل حاجة.
عقود… تسجيلات… وشهود.
وخلال شهر واحد بس، القضية اتفتحت.
والناس اللي كانت مصدقة حامد بدأت تعرف الحقيقة.
أصحابه بعدوا عنه.
مراته سابت البيت وراحت عند أهلها بعد ما اكتشفت إنه كان ناوي يبيع شقتها هي كمان عشان يسدد ديونه.
أما إحنا… فبعد سنين خوف وسكوت، حسينا إن حقنا رجع.
القاضي حكم ببطلان كل العقود المزورة، واتقسم الورث بالعدل زي ما ربنا أمر.
يوم الحكم… رجعت البيت، دخلت أوضة أبويا، وقعدت قدام صورته أعيط.
ماكنتش عياط حزن المرة دي… كان عياط راحة.
أمي دخلت وقعدت جنبي وقالت:
ـ أبوكي كان نفسه يشوفكم متجمعين من غير ظلم.
وبعدها بأيام، حصل اللي محدش توقعه.
حامد رجع البيت بالليل… شكله متبهدل وعينيه حمرا.
وقف قدام أمي وقال بصوت مهزوز:
ـ سامحيني يا أمي… الطمع عمّاني.
أمي سكتت شوية، وبعدين قالت:
ـ الحق مش بيتاكل يا ابني… بس باب التوبة عمره ما بيتقفلش.
ولأول مرة من يوم موت أبويا… أخويا انهار في العياط.
مرت شهور…
بعنا جزء من الأرض، وفتحنا مشروع صغير باسم أبويا.
أختي كملت تعليمها.
وأمي رجعت تضحك بعد حزن طويل.
وفي افتتاح المشروع، علّقنا صورة أبويا الكبيرة على الحيطة، وتحتها جملة من الجواب الأخير:
"الورث مش فلوس وبس… الورث الحقيقي ضمير ولمة وأصل.
واللي يبيع أهله عشان المال… يخسر الاتنين."