الف مبروك حكاوي شيمو
"ألف مبروك سقو.ط بنت خالي في الإعدادية!"
الجملة دي أول ما كتبتها على حالتي، الناس كلها دخلت تهاجمني وتقول:
"إزاي تفرحي في بنت صغيرة؟!"
"دي مالهاش ذنب!"
"اتقي الله!"
بس محدش كان يعرف الحكاية اللي ورا الجملة دي...
أنا بصيت لأمي وهي قاعدة في الركن بتعيط بعد سنين طويلة من الظلم، وقلت لها:
— لسه زعلانة؟
رفعت عينيها الحمرا وقالت:
— مش زعلانة على الفلوس... أنا زعلانة على الخيانة.
سكت شوية وسألتها:
— هو جدي كان بيحبك؟
قالت وهي بتحاول تبتسم:
— كان بيحبني أكتر من نفسي.
يبقى إزاي بعد ما مات، حقها كله يضيع؟
إزاي إخواتها ياكلوا الميراث ويقولوا لها:
— روحي المحكمة لو عايزة حاجة!
يومها أمي رجعت البيت مكسورة.
فاكرة اليوم ده كويس...
فاكرة لما قعدت على السرير وسندت راسها على الحيطة وقالت:
— حقي ضاع يا بنتي.
ومن يومها وإحنا بنتفرج عليهم.
بيتهم بيكبر...
عربيات جديدة...
دروس خصوصية بالمئات...
مصايف وسفر وخروجات...
وإحنا ساكتين.
لحد ما في يوم قابلت بنت خالي.
قالتلي وهي بتضحك:
— أنا باخد خمس مواد سنتر وخمس مواد برايفت.
قلت لها:
— ربنا يوفقك.
ردت أمها بسرعة وهي بتبصلي من فوق لتحت:
— الحمد لله الخير كتير.
الكلمة كانت عادية لأي حد...
لكن أنا فهمت معناها.
الخير الكتير اللي بتتكلم عنه كان جزء منه حق أمي.
عدت الأيام...
وجت النتيجة.
التليفون رن.
رديت.
لقيت خالتي صوتها مكسور:
— البنت سقطت.
للحظة واحدة سكت.
وبعدين قفلت.
مشيت ناحية أمي.
كانت قاعدة بتشرب الشاي.
قلت لها:
— عرفتي النتيجة؟
قالت:
— لأ.
قلت:
— بنت خالتي سقطت.
أمي نزلت عينها للأرض وسكتت.
لا فرحت.
ولا شمتت.
ولا قالت كلمة.
بس قالت جملة واحدة خلت جسمي يقشعر:
— ربنا عمره ما بينسى حق حد.
في الليلة دي فضلت أفكر.
هو فعلاً دي عدالة؟
ولا مجرد صدفة؟
ولا يمكن دعوة مظلوم طلعت للسماء من سنين ولسه أثرها موجود؟
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي قلب الحكاية كلها...
لأن بنت خالي بنفسها جت عندنا البيت تاني يوم، وقالت قدام الجميع سر عمره ما كان المفروض يطلع...
في اليوم التاني، بنت خالتي جت عندنا البيت.
أمي أول ما شافتها قامت تستقبلها عادي، كأن مفيش أي مشاكل بينا وبين أهلها.
البنت كانت عينيها حمرا من العياط.
قعدت وسكتت شوية، وبعدين قالت:
— خالتي... أنا عايزة أتكلم معاكي لوحدنا.
أمي قالت بهدوء:
— اتفضلي يا بنتي، البيت بيتك.
دخلوا الأوضة وأنا قعدت برا، لكن بعد شوية سمعت صوت بكاء.
دخلت لقيت بنت خالتي واقعة عند رجلين أمي وبتعيط.
أمي اتفاجئت وقالت:
— قومي يا بنتي، بتعملي إيه؟
ردت وهي منهارة:
— سامحيني يا خالتي.
أمي قالت باستغراب:
— أسامحك على إيه؟
قالت وهي بتبكي:
— على كل حاجة.
سكتنا كلنا.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت الدنيا:
— أنا عرفت الحقيقة.
أمي بصتلها باستغراب.
قالت:
— بابا وماما أكلوا حقك.
البيت كله سكت.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
البنت كملت:
— سمعتهم بيتكلموا من أسبوع.
أمي قالت:
— وإيه اللي سمعتيه؟
قالت:
— سمعت بابا بيقول لماما إن الفلوس والأرض كان لازم يتقسموا على الكل، وإنه عمره ما رجع حقك.
أمي نزلت دموعها لأول مرة.
أما البنت فكانت منهارة.
وقالت:
— طول عمري فاكرة إنكم ظالمينهم، وإنكم طماعين... لكن اكتشفت إن الحقيقة العكس.
أنا بصيت لأمي.
كنت مستنية تشمت.
تقول كلمة.
تعاتب.
تلوم.
لكنها قالت:
— خلاص يا بنتي... اللي فات مات.
البنت ردت بسرعة:
— لا يا خالتي... مش مات.
وساعتها طلعت من شنطتها مجموعة أوراق.
وقالت:
— دي صور من عقود وأوراق بابا.
كلنا اتصدمنا.
قالت:
— أنا صورتهم قبل ما أخرج.
أمي كانت مصدومة.
وأنا كمان.
البنت قالت:
— أنا مش قادرة أعيش بالفلوس دي بعد ما عرفت إنها فيها حق ناس.
ومن اليوم ده بدأت المشاكل في بيت خالي.
لما عرف إنها صورت الأوراق، قامت القيامة.
خالتي فضلت تصرخ:
— انتي خربتي بيتك بإيدك!
وخالي ضربها لأول مرة في حياته.
لكن البنت كانت ثابتة.
وقالت:
— لو الحق هيخرب البيت، يبقى البيت ده كان خربان من زمان.
بعدها بأيام...
وصل لأمي اتصال من محامي.
وقال لها إن فيه إمكانية تسترد جزء كبير من حقها.
أمي كانت مترددة.
وقالت:
— أنا مش عايزة مشاكل.
لكن المحامي قال:
— ده حقك الشرعي.
وبدأت الإجراءات.
أول مرة أشوف خالي خايف.
أول مرة أشوفه بيجري ورا الصلح.
جالنا البيت بنفسه.
بعد سنين من القطيعة.
دخل وهو مطأطئ راسه.
وقال لأمي:
— سامحيني.
أمي سكتت.
قال:
— أنا غلطت.
سكتت برضه.
قال:
— الشيطان ضحك عليا.
فجأة أمي قالت:
— والسنين اللي فاتت؟
ما ردش.
قالت:
— والذل؟
ما ردش.
قالت:
— والدموع؟
برضه ما ردش.
لأنه كان عارف إن مفيش كلام يداوي كل ده.
وفي النهاية، وبعد شهور طويلة، تم الاتفاق على إعادة جزء كبير من الحقوق لأصحابها.
أمي لما استلمت حقها بكت.
لكن مش من الفرحة.
بكت لأن أبوها مات وهو فاكر إن ولاده هيبقوا سند لبعض.
وللأسف حصل العكس.
أما بنت خالتي...
فالكل كان فاكر إن سقوطها في الإعدادية نهاية الدنيا.
لكن الحقيقة كانت بداية جديدة.
أعادت السنة.
واجتهدت بجد.
ومن غير الدروس الكثيرة ولا المظاهر.
ونجحت بتفوق.
لأنها لأول مرة كانت مرتاحة الضمير.
وفي يوم نجاحها جت عند أمي وقالت:
— المرة دي أنا فرحانة بجد.
أمي حضنتها وقالت:
— النجاح الحقيقي مش في الشهادة.
قالت البنت:
— أمال في إيه؟
أمي ابتسمت وقالت:
— النجاح الحقيقي إن الإنسان يعرف الصح ويقف معاه حتى لو خسر الدنيا كلها.
مرت سنوات...
وخالي كبر في السن.
وفي يوم تعب جدًا ودخل المستشفى.
أول شخص زاره كان أمي.
رغم كل اللي عمله.
مسكت إيده وقالت:
— أنا مسامحاك.
يومها بكى لأول مرة.
وقال:
— كنت فاكر الفلوس هتسعدني.
لكنها ضيعت إخواتي وبناتي وراحتي.
وهنا فهمت الدرس اللي عمره ما هنساه...
المال اللي ييجي بالظلم ممكن يبني بيت كبير، لكنه عمره ما يبني راحة بال.
وممكن يجيب دروس وعربيات وشهادات...
لكن ما يقدرش يشتري دعوة مظلوم.
العبرة: لا تفرح أبدًا بمصيبة حد، لأننا لا نعرف حكمة الله فيما يحدث. وسقوط بنت خالتي ما كانش عقاب ليها هي، لأنها كانت بريئة من ذنب الكبار. لكن القصة كلها علمتنا إن الحقوق مهما ضاعت سنين، ومهما الناس افتكرت إنها انتهت، ربنا قادر يرجعها في الوقت اللي يشاء وبالطريقة اللي يشاء. والإنسان الشريف هو اللي يقف مع الحق حتى لو كان ضد أقرب الناس ليه.