امى والعمرة
في ناس بتبان ملايكة قدام الكل... لكن أول ما يكون الخير رايح لغيرها، وشها الحقيقي بيظهر!
عمري ما كنت أتخيل إن أكبر عقبة بين أبويا وأمي وبين حلم عمرهم هتكون إنسانة دخلت العيلة من سنة ونص بس!
أبويا وأمي طول عمرهم ناس طيبين.
أبويا شقى العمر كله عشان يربينا، وأمي ضحت بصحتها وشبابها عشان ما نحتاجش لحد.
وكان ليهم حلم واحد بيتكرر على لسانهم كل سنة
يا رب قبل ما نموت نعمل عمرة.
لكن الأسعار كانت كل يوم بتغلى، والحلم بيبعد أكتر.
أخويا الكبير شغال بره مصر، والحمد لله ربنا فاتحها عليه.
ولما اتجوز فرحنا له من قلبنا.
وقلنا أخيرًا ربنا هيكرمه ويحقق حلم أمه وأبوه.
لكن اللي حصل كان غير كده خالص...
مراته سافرت له وقعدت معاه حوالي ست شهور.
ولما رجعت مصر قبل رمضان بشوية، افتكرت إن الدور جه على أبويا وأمي.
افتكرت إنه هيقول
يلا جه وقت فرحتكم.
لكن فجأة عرفنا إنه بيجهز أوراق سفر مراته من جديد عشان ترجع له مرة تانية!
استغربت.
وقلت يمكن بعد ما تروح يبعت لهم.
عدى شهر...
واتنين...
وثلاثة...
وكل ما أكلمه يقولي
اصبري عليا شوية.
وفي كل مرة كنت أقفل المكالمة وألاقي أمي قاعدة تبص لصورة الكعبة وتقول
يا رب.
الكلمة كانت بتكسرني.
وفي يوم مقدرتش أسكت.
كلمت أخويا وقلت له
هو بابا وماما مش أولى شوية؟
سكت.
وبعدين قال
الموضوع مش سهل.
قلت له إيه اللي مش سهل؟
سكت تاني.
ومن سكوته بدأت أفهم.
بدأت أربط المواقف ببعضها.
كل مرة أفتح موضوع العمرة يتهرب.
وكل مرة يجهز حاجة تخص مراته، الفلوس تبقى موجودة.
أما لما يجي سيرة أبويا وأمي... تبقى الظروف صعبة.
وبدأت أحس إن فيه حد كل ما يفتح باب الخير ليهم يقفله.
حد مش شايف غير نفسه وبس.
حد عايز كل حاجة تبقى ليه هو وبس.
لكن ساعتها ماكنش عندي دليل.
كنت مجرد حاسة.
لحد الليلة اللي سمعت فيها بالصدفة مكالمة قلبت الدنيا كلها...
مكالمة خلتني أعرف مين اللي كان واقف فعلًا بين أبويا وأمي وبين بيت ربنا...
واللي سمعته بعدها خلاني مش قادرة أبص في وشها تاني...
يتبع...
فضلت طول الليل أفكر في المكالمة اللي سمعتها.
قلبي كان بيقول إن إحساسي صح.
وعقلي كان بيقول إوعي تظلمي حد من غير دليل.
تاني يوم نزلت عند أمي.
لقيتها قاعدة بتسبح وبتدعي.
أول ما شافتني قالت بابتسامة
ربنا يكرم أخوكي ويبارك له.
استغربت.
أنا جوايا نار، وهي بتدعيله!
قعدت جنبها وقلت
يا أمي... لو ربنا ما كتبش العمرة دلوقتي هتزعلي؟
ابتسمت وقالت
كل حاجة بميعاد يا بنتي.
الكلام زود وجعي أكتر.
بعدها بأيام أخويا اتصل.
وصوته كان متوتر.
وقال
عايز أكلمك في موضوع.
قلت خير.
قال أنا نازل مصر الأسبوع الجاي.
استغربت.
لأنه ماكانش مخطط ينزل.
ولما نزل فعلاً طلب يجمعنا كلنا عند أبويا.
أول ما دخل البيت لاحظت إن شكله مرهق جدًا.
وأول ما قعد قال
أنا عارف إنكم زعلانين مني.
أبويا رد بسرعة
إحنا عمرنا ما زعلنا منك يا ابني.
لكن أخويا بص لي أنا بالذات وقال
وأنتِ أكتر واحدة.
اتكسفت وسكت.
فجأة طلع ظرف من شنطته وحطه قدام أبويا.
أبويا فتحه وهو مستغرب.
وبعدين عينيه وسعت.
وأمي قربت تبص.
وفجأة إيديها اترعشت.
كان جواه تأشيرتي عمرة باسم أبويا وأمي.
أمي فضلت تبص للورق كأنها مش مصدقة.
وقالت
دي بجد؟
أخويا ابتسم وقال
بجد يا أمي.
وأمي انفجرت في البكاء.
وأبويا لأول مرة أشوف دموعه نازلة بالشكل ده.
أما أنا...
فكنت مصدومة.
قلت
بس... إزاي؟
أخويا بصلي وقال
تعالي أقلك الحقيقة.
وساعتها قال حاجة قلبت كل أفكاري.
قال
أنا من أول يوم بفكر أطلعهم عمرة.
استغربت.
قال
لكن كنت عايز أعملها صح.
قلت إزاي؟
قال
كنت بجمع المبلغ كامل من غير ما حد يعرف.
سكت شوية وكمل
لأن العمرة لوحدها مش كل حاجة.
أنا كنت مجهز لهم العمرة ومصاريفها كاملة وهدايا وإقامة مريحة ومصاريف شخصية كمان.
بدأت أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قلت
طيب ومراتك؟
ابتسم وقال
مالها؟
قلت هي اللي كانت رافضة صح؟
ساعتها بصلي باستغراب شديد.
وقال
رافضة؟!
ثم نادى على مراته اللي كانت قاعدة في أوضة تانية.
دخلت وهي مبتسمة.
وأخويا قال
قولي لهم مين صاحب فكرة العمرة أساسًا.
البنت بصت لأمي وقالت
أنا.
سكتنا كلنا.
قالت
أنا اللي كنت كل شوية أزن عليه ويجمع فلوس زيادة عشان يطلعهم مرتاحين.
وأخرجت موبايلها.
وورّتني رسائل بينها وبين أخويا.
كانت بتقوله
أبوك وأمك لازم يسافروا أحسن سفرية.
متبخلش عليهم.
دول تعبوا عشانك.
وقتها حسيت إن وشي احمر من الكسوف.
كل الشكوك اللي بنيتها في دماغي وقعت مرة واحدة.
أنا كنت حاكمة عليها من غير دليل.
وأطلقت عليها أحكام من خيالي.
أمي قامت حضنتها.
وقالت وهي بتعيط
سامحيني يا بنتي.
البنت بكت هي كمان وقالت
حضرتك أمي.
أما أنا فمقدرتش أرفع عيني في عينها.
وقلت
أنا آسفة.
ابتسمت وقالت
لو كنت مكانك يمكن كنت فكرت زيك.
بعد شهر سافر أبويا وأمي العمرة.
وكانوا كل يوم يبعتولنا صور من الحرم.
وأمي كانت كل مرة تقول
ربنا يجازي ولادي ومرات ابني خير.
ولما رجعوا كانت الفرحة مالية البيت كله.
وفي يوم وأنا قاعدة مع مرات أخويا لوحدنا قلت لها
عارفة؟ أنا كنت فاكرة إنك العقبة.
ضحكت وقالت
وأنا كنت فاكرة إنك مش بتحبيني.
وبدل ما الشك يهدم علاقتنا...
الحقيقة خلتنا أخوات بجد.
ومن يومها اتعلمت درس عمري ما هنساه
أحيانًا أسوأ عدو للحقيقة... هو الظن.
تمت.