امك عندها 80 سنة وحامل

لمحة نيوز

«أمك عندها 80 سنة… وحامل في الشهر السادس»
دي الجملة اللي قالهالي الدكتور إبراهيم اليوم ده في المستشفى…
ومن اللحظة دي، كل حاجة كنت مصدّقها في حياتي اتكسرت.
لو حد قالّي قبل كده إن ست عندها تمانين سنة ممكن تبقى حامل،
كنت ضحكت ومشيت، وقلت عليه مجنون أو بيألف.
بس دي مش حكاية… دي حياتي.
دي أمي.
ودي اللحظة اللي الدنيا وقفت فيها.
إزاي كل ده بدأ؟
أمي كانت تعبانة بقالها شهور،
بس عمرها ما اشتكت.
دي طبعها… قوية، ساكتة، وعنيدة.
كانت تصحى كل يوم الصبح،
تكنس الحوش على مهَل،
وبعدين تقعد تحت شجرة المانجا تستريح.
بس بطنها…
كان بيتغير.
في الأول افتكرت إن ده عادي،
كِبر سن، انتفاخ، أي حاجة.
بس لا…
بطنها كان مدوّر،
ناشف،
وبيكبر يوم ورا يوم.
الليلة اللي خوّفتني بجد
في ليلة، وهي بتحاول تقوم من على الكرسي،
مسكت بطنها فجأة، ونَفَسها اتقطع.
قالت بهدوء:
«إميكا…»
جريت عليها.
«مالك يا أمي؟»
حطّيت إيدي على بطنها…
قالتلي:
«حاسس؟»
كنت عايز أقول لأ.
كنت عايز أهرب.
بس حسّيت.
حاجة اتحركت.
مش وجع…
مش غازات…
حركة.
سحبت إيدي كأني لمست نار.
قلت برعب:
«ماما… إيه اللي جواكي؟»
هزّت راسها وقالت وهي بتهمس:
«مش عارفة…
بس بيصحّيني من النوم بالليل.»
الليلة دي ما نامتش.
وبالصبح، وقعت في الحمّام.
ساعتها…
الخوف دخل قلبي رسمي.
المستشفى والمكالمة اللي هزّت العيلة
جرينا بيها على المستشفى.
تحاليل…
فحوصات…
دكاترة داخلين طالعين،
ووشوشهم متلخبطة.
ولا حد فاهم حاجة.
دكتور قالّي:
«لازم نقبلها…
دي ست كبيرة،
أي حاجة ممكن تحصل.»
عرفت إني لوحدي مش هقدر.
طلعت برا، وبدأت أكلّم إخواتي:
أخويا الكبير في أبوجا،
أختي في بورت هاركورت،
وواحد تاني في غانا.
قلت لهم:
«ارجعوا البيت حالًا…
ماما تعبانة قوي،
والدكاترة مش فاهمين حاجة.»
قالت أختي:
«يعني إيه مش فاهمين؟»
بصّيت لأمي من ورا الإزاز وقلت:
«مش قادر أشرح…
بس في حاجة غلط في جسمها.»
الكلام الغامض
رجعت جنب سريرها.
فتحت عينيها وبصّتلي.
قالت:
«ما تخوفهمش.»
قلت لها:
«ماما… إنتي مخبية علينا إيه؟»
عينيها دمعت.
وقالت:
«في حاجات…
وقتها لسه ما جاش.»
ساعتها ما فهمتش.
ولا كنت متخيّل اللي جاي.
القرار اللي حسّيته حكم إعدام
بالليل، دخل دكتور كبير.
اسمه الدكتور إبراهيم.
قال بهدوء،
بس القلق كان باين في عينه:
«في ضغط جوه بطنها…
مش فاهمينه كامل.
ولو ما عملناش عملية دلوقتي،
ممكن ما تعيشش للصبح.»
قلت مصدوم:
«عملية؟
على ست عندها 80 سنة؟»
قال:
«مخاطرة…
بس إننا ما نعملش حاجة أخطر.»
مسكت إيد أمي.
قلت:
«ماما… عايزين يعملوا عملية.»
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت:
«أنا عشت كتير…
لو وقتي جه،
يبقى خلاص.»
وأخدوها على غرفة العمليات.
الانتظار اللي كسرني
الوقت وقف.
الدقايق بقت ساعات.
افتكرت كلام كانت دايمًا تقوله وأنا صغير:
«مش كل الأطفال بييجوا في وقتهم…
في أرواح بتستنى.»
وفجأة…
النور قطع لحظة.
قلبي وقف.
ممرضة خرجت وهي بتعيّط:
«لو سمحت… صلّوا.»
وقفت برتعش.
وبعدين سمعته…
بُكا.
ضعيف…
بس واضح.
قلبت الترابيزة وأنا واقف.
«إنتوا سمعتوا؟!»
ولا حد رد.
الحقيقة اللي دمّرت كل حاجة
باب العمليات اتفتح.
الدكتور إبراهيم خرج…
وشّه شاحب،
كأنه شاف حاجة مش قادر يفسّرها.
جريت عليه:
«أمي…
عايشة؟»
قال:
«أيوه.»
كنت هقع من الراحة.
بس هو ما ابتسمش.
قال:
«بس لقينا حاجة…»
قلبي رجع يدق بعنف.
«إيه؟»
أخد نفس عميق وقال:
«إحنا ما كناش بنجري عملية عادية…
أمك…
حامل في الشهر السادس.»
ضحكت ضحكة مكسورة:
«دكتور،
ده مش وقت هزار.»
قال بجدية:
«أنا ما بهزرش…
في جنين حي،
وله نبض.»
رجلي خذلتني.
قلت:
«إزاي؟
دي عندها 80 سنة!»
قال بصوت واطي:
«والجنين…
اتفاعل أثناء الجراحة.
كأنه…
كان حاسس بوجودنا.»
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
«والحمل ده…
ما ينفعش يتفسّر بعلم الإنسان.»
وبصلي في عيني وقال:
«ومش متأكدين…
نوع الطفل اللي أمك شايلاه.»
الدكتور إبراهيم سابني واقف ومشي،
وسابني مع جملة واحدة بتلف في دماغي زي الإبرة:
«مش متأكدين نوع الطفل اللي أمك شايلاه.»
دخلت عند أمي في العناية المركزة.
وشّها كان شاحب،
بس كانت واعية.
مسكت إيدها وقلت: «ماما… الدكتور بيقول كلام غريب… بيقول إن في جنين.»
غمضت عينيها لحظة…
وبعدين قالت بصوت مكسور: «كنت مستنية اللحظة دي.»
قلت: «لحظة إيه؟!
هو إيه اللي جواكي؟»
سكتت شوية…
وبعدين قالت: «ده مش طفل…
ولا حمل زي ما انت فاهم.»
قلبي وقع: «أمال إيه؟»
قالت: «من سنة تقريبًا، حسّيت بكتلة في بطني…
كنت فاكرة ورم.
بس لما كبرت وبدأت تتحرك… خفت أقول لكم.»
قلت: «تتحرك إزاي؟!»
دخل الدكتور إبراهيم ومعاه تقرير الأشعة والتحاليل،
وقال بهدوء علمي:
«اللي في بطن والدتك مش جنين…
ده نوع نادر جدًا من الأورام اسمه
ورم كيسي متحوّر
بيكوّن أنسجة شبه الجنين:
عضلات… أعصاب… وأحيانًا نبض وهمي.»
سكت لحظة، وبعدين قال: «النبض اللي سمعناه مش نبض طفل…
ده تفاعل عصبي داخل الورم.»
بصّيت لأمي: «يعني… مش حامل؟»
قالت: «أنا كنت حاسة إنه مش طفل…
بس خوفت أقول لكم ورميتموني في دار مسنين.»
الدكتور كمل: «الورم ده بيظهر غالبًا في سن صغيرة…
بس حالتها نادرة جدًا لأنها ظهرت في سن متأخر.»
سألته: «يعني كانت ممكن تموت؟»
قال: «آه…
ولو ما دخلتش العملية،
كان ممكن ينفجر جوه بطنها.»
قلت: «واللي اتشال… إيه؟»
قال: «اتشال بالكامل…
وهي دلوقتي مستقرة.»
دخلت عليها تاني.
حضنتها وهي نايمة.
لقيتها بتهمس: «كنت فاكرة ربنا بيديني طفل قبل ما أموت…
يمكن علشان ما أبقاش لوحدي.»
دموعي نزلت: «إنتِ مش لوحدك يا أمي…
عمرك ما كنتي.»
بعد أسبوع،
قامت من السرير.
رجعت تمشي في الحوش.
رجعت تقعد تحت شجرة المانجا.
بس بطنها…
رجعت طبيعية.
سألتها: «خوفتي ليه تسكتي؟»
قالت: «علشان لما الست تكبر…
الناس ما بتشوفش فيها غير عبء.»
بعد شهر،
الدكتور إبراهيم قال لنا: «اللي حصل نادر…
بس علميًا مفهوم…
ومش معجزة ولا حمل.»
بس اللي حصل في قلوبنا…
كان معجزة.
لأني اتعلمت حاجة واحدة:
مش كل حاجة بتكبر في بطن الإنسان تبقى حياة…
بس كل حاجة بتكبر في القلب اسمها أم.

تم نسخ الرابط