على مدار عشرين سنة
كتب اسمي أنا.
اتكلم عماد بعصبية: — أكيد في غلطة.
رد المحامي ببرود: — مافيش أي غلطة.
وفجأة حسيت رجليا مش شايلاني.
لأن الترابيزة ماكانتش مليانة ورق وبس…
كانت مليانة عمر كامل أنا ماكنتش فاهمه.
إيصالات قديمة.
صور باهتة.
ودفتر أزرق مليان أرقام وتواريخ.
وعشرين سنة من أسرار ماحاولتش أفهمها يوم.
الكلام سكت في الأوضة كلها.
والمحامي عدّل نضارته وقال: — الحج عبد الستار أوصى إن الأستاذ ممدوح يسمع الرسالة قدام العيلة كلها قبل أي كلام عن الورث.
فتح الظرف ببطء.
وأميرة مسكت إيدي جامد.
#الكاتب_رومانى_مكرم
أما عماد…
فاختفت الابتسامة من على وشه.
وبعدين بدأ المحامي يقرا…
وأول سطر بس…
كان كفاية يكسّرني نصين:
“يا ممدوح… أنا عارف إنك طول السنين دي كنت فاكر إني ماعملتش ليك أي حاجة… بس كل لقمة أكلتهالي كانت السبب اللي خلاني أخبّي كل حاجة باسمك.”
وو سيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه هنا حكايات رومانى مكرم
المحامي أخد نفس طويل…
وبدأ يقرا بصوت هادي، بس كل كلمة كانت بتنزل على قلبي كأنها حجر.
— “يا ممدوح… يمكن عمرك ما حسيت إني بحبك. ويمكن أنا فعلًا ماعرفتش أقولها. بس الحقيقة إنك كنت الراجل الوحيد اللي شالني من غير ما يرميني.”
بصيت للأرض.
وحسيت الخجل بيحرق وشي.
كمّل المحامي:
— “أنا شوفت منك حاجات أولادي ماعملوهاش. يوم ما جالي الجلطة، عماد قفل تليفونه. وسامي قال عنده سفر. وبنتي الصغيرة قالت ظروف جوزها صعبة. أما إنت… كنت بتسهر جنبي وتغيرلي هدومي بإيدك.”
أميرة بدأت تعيط بصوت مكتوم.
أما إخواتها…
فساكتين.
المحامي فتح الدفتر الأزرق.
وقال: — المرحوم كان بيسجل كل حاجة بنفسه.
قلّب كام صفحة، وبعدين قرأ:
— “١٤ مارس… ممدوح باع التوك توك عشان عمليتي.”
— “٢٢ سبتمبر… سدد تمن العلاج وماقالش لبنتي إنه استلف.”
— “٣ يناير… رجع من الشغل تعبان، وبرضه جابلي دوا السكر.”
كل تاريخ…
كان خنجر.
لأني فاكر كل يوم منهم.
وفاكر كمان إني كنت متضايق وأنا بعمل ده.
المحامي سكت شوية، وبعدين مد إيده بالكيس القماش القديم.
فتحه.
وطلع منه مفاتيح.
وعقد أخضر.
وعلبة صاج صغيرة.
عماد قام واقف فجأة: — إيه ده يعني؟
رد المحامي بهدوء: — دي أوراق ملكية.
اتنحنح وكمل:
— الحج عبد الستار كان مالك البيت اللي في شبرا بالكامل… والعمارة اللي وراه كمان.
الأوضة كلها اتجمدت.
حتى النفس وقف.
صرخت أميرة: — إيه؟!
أما عماد فزعق: — مستحيل! أبونا كان فقير!
المحامي بصله ببرود: — المرحوم تعمّد يبين كده.
وبعدين فتح ملف تاني.
— من عشرين سنة، بعد وفاة زوجته، أولاده حاولوا يبيعوا أملاكه ويحطوه في دار مسنين. لكنه رفض… وساب البيت كله واتنقل يعيش عند بنته أميرة.
لف وبصلي مباشرة.
— وكان عنده شرط واحد.
بلعت ريقي بالعافية.
— إنه يراقب الشخص اللي هيعيش معاه تحت سقف واحد… ويشوف معدنه الحقيقي.
عماد ضرب الترابيزة بعصبية: — يعني إيه؟ كان بيختبرنا؟!
رد المحامي:
— لا… كان بيختبر ممدوح.
قلبي خبط جامد.
وأنا حاسس الدنيا بتلف.
فتح المحامي آخر ورقة.
وقال بوضوح:
— “أوصي بكامل أملاكي، والعمارة، والحساب البنكي، وكل ما أملك… للأستاذ ممدوح الشرقاوي.”
صرخة طلعت من أميرة.
أما إخواتها فقاموا مرة واحدة.
— إيه الهبل ده؟!
— أكيد مزور!
— الراجل كان خرف!
لكن المحامي طلع تقرير طبي.
— ده تقرير من شهر قبل الوفاة. المرحوم كان بكامل قواه العقلية.
وبعدين طلع ورقة تانية.
— ودي تسجيلات بالكاميرات الموجودة في العمارة القديمة… تثبت إن أولاده حاولوا يدخلوا عليه كذا مرة عشان يمضوه على تنازلات وهو رفض.
وش عماد قلب أبيض.
أما أنا…
فماكنتش سامع أي حاجة.
كنت مركز بس مع آخر سطر في الرسالة.
المحامي قراه بصوت أهدى:
— “يا ممدوح… أنا عارف إنك كنت بتتعب مني. وحقك. بس عمرك ما أذيتني، ولا حرمتني من لقمة، ولا كسرت خاطري وأنا عجوز. كنت بتغلط وتتضايق… لكنك كنت راجل.”
دموعي نزلت غصب عني.
لأول مرة من سنين.
وأميرة حضنت إيدي وهي بتعيط.
لكن الرسالة ماخلصتش.
المحامي قلب الصفحة الأخيرة وقال:
— “وفي العلبة الصاج هتلاقي حاجة مهمة.”
فتحنا العلبة.
كان فيها سلسلة دهب قديمة.
وصورة أبيض وأسود.
وأوراق بنك.
المحامي ابتسم لأول مرة وقال:
— الحساب البنكي فيه مبلغ اتجمع من إيجارات العمارة طول عشرين سنة… والحج عبد الستار كان رافض يصرف منه جنيه على نفسه.
سألت بصوت مبحوح: — كام؟
رد بهدوء:
— سبعة مليون واربعمية ألف جنيه.
عماد شهق.
وأخته الصغيرة قعدت على الكنبة من الصدمة.
أما أنا…
فافتكرت كل مرة كنت بزعل فيها من طبق فول زيادة.
كل مرة حسيت إنه حمل.
كل مرة تمنيت يرتاح… ونرتاح منه.
وحسيت إني أصغر من نفسي بكتير.
المحامي وقف يقفل الملف.
وقال آخر جملة:
— المرحوم كتب ملاحظة بخط إيده مخصوص ليك يا أستاذ ممدوح.
ناولني ورقة صغيرة متنية.
فتحتها بإيدي المرتعشة.
وكان مكتوب فيها:
“الفلوس دي مش مكافأة… دي رد كرامة. لأنك الوحيد اللي عاملني كبني آدم وأنا عجوز وضعيف. سامحني إني خبيت الحقيقة… بس كنت خايف لو عرفت، تتغير.”
انهرت.
بكيت قدام الكل زي طفل صغير.
لأن الراجل اللي كنت فاكره حمل فوق عمري…
طلع طول الوقت شايلني أنا.
وبعد شهور…
نقلت عيالي لأوضة كبيرة لكل واحد سرير لوحده.
وفتحت ورشة باسمي بدل الشغل عند الناس.
وعملت صدقة جارية للحج عبد الستار جنب الجامع اللي كان بيصلي فيه.
لكن أغرب حاجة؟
إني كل يوم الصبح…
بعمل كباية شاي بلبن زيادة.
وأبص للكرسي الفاضي في البلكونة.
وأحس إن البيت…
لسه ناقصه صاحبه.