كنت مروحة مهدودة

لمحة نيوز

قولتله بهدوء: "كنت فين؟"
رد بسرعة: "شغل."
ابتسمت… والله العظيم ابتسمت.
ولأول مرة، مكنتش مكسورة… كنت مرعبة.
قولتله: "شغل في الشقة رقم 5؟"
اللون اتسحب من وشه مرة واحدة.
إيده اللي شايلة الحلويات ارتعشت، وبصلي بصدمة كأني طلعتله من تحت الأرض.
قعد على الكنبة وقال: "انتي فتشتي في موبايلي؟"
ضحكت تاني، الضحكة اللي تخوف أكتر ما تطمن، وصرخت: "سيبك من موبايلك! قولّي مين الست دي؟!"
اتنهد وقام وقف بعيد عني، وبدأ يدافع عن نفسه بالنبرة اللي الرجالة بتستخدمها لما يتكشفوا: "انتي مقصرة معايا بقالك سنين… دايمًا تعبانة، دايمًا خناق، دايمًا طلبات ومصاريف."
بصيتله بعدم استيعاب.
أنا؟ مقصرة؟
أنا اللي كنت بصحى خمسة الفجر أجهزله هدومه وأجري على شغلي؟
أنا اللي كنت باكل عيش حاف عشان أوفرله فلوس البنزين؟
أنا اللي نسيت نفسي كست وست بيت وبقيت ماكينة؟
ولأول مرة في حياتي… فهمت.
فهمت إن الرجالة اللي زي أشرف عمرهم ما بيشوفوا الست وهي بتتعب عشانه،
هو بس بيشوف الست وهي "بقت مرهقة".
يشوف التجاعيد وينسى سببها.
يشوف الإهمال وينسى مين اللي استنزف روحها.
قولتله بصوت هادي: "مين هي؟"
سكت شوية… وبعدين قالها.
"مراتي."
الكلمة نزلت على دماغي زي الرصاصة.
مراتي.
مش علاقة.
مش نزوة.
مش خيانة يومين.
جواز.
حسيت الأرض راحت من تحت رجلي، ومسكت طرف الترابيزة عشان مقعش.
صرخت فيه: "ازاي؟! ازاي تتجوز عليا وأنا معرفش؟!"
قال ببرود: "من سنة ونص."
سنة ونص.
سنة ونص وأنا بدفع فواتير البيت، وبطبخ، وبشتغل، وبعيط من الضغط… وهو عايش قصة حب كاملة في بيت تاني.
بس الصدمة الحقيقية… كانت لسه جاية.
لما قال: "وهي حامل."
في اللحظة دي، حاجة جوايا ماتت.
مش قلبي… لا.
القلب كان مات من أول ما شوفته بيبوسها.
اللي مات كان الست اللي بتسامح.
دخلت أوضتي بهدوء، وهو ورايا بيتكلم ويدافع ويقول: "أنا مكنتش عايز أزعلك… انتي ليكي مكانتك."
مكانتي؟
مكانة إيه؟ الخدامة الرسمية؟
فتحت الدولاب، طلعت ملف قديم كنت مخبياه… كل إيصالات التحويلات اللي حولتهاله سنين، العقود اللي باسمي، الورق اللي كان بيخليني أضمن حقّي لو الزمن غدر.
ولأول مرة… شكرت نفسي إني كنت ذكية.
بصيتله وقولت: "الشقة دي باسمي."
سكت.
كملت: "والعربية عليها حظر بيع بتوقيعي."
بدأ يتوتر.
قولت وأنا ببص في عينيه: "والمشروع اللي بتقول إنه بتاعك؟ نصه قانونًا ملكي."
لأول مرة من ساعة ما عرفته… شفت الخوف في عينيه.
قعد على الكنبة وهو بيقول: "انتي هتعملي إيه؟"
قربت منه… وابتسمت.
نفس الابتسامة اللي كانت على وشه وهو داخل مع مراته الجديدة.
وقولت: "هعملك نفس اللي عملته فيا… هخليك تصحى فجأة وتلاقي نفسك خسرت كل حاجة."
وبالفعل…
بعد شهرين، كانت مراته التانية سايباه بعد ما عرفت إنه غرقان في الديون.
والمشروع اتحجز عليه.
والعربية اتمسح بيها الأرض في المزاد.
وهو؟
بقى واقف تحت العمارة القديمة مستني يشوفني بس أتكلم معاه.
بس أنا…
كنت ساعتها واقفة في البلكونة، لابسة فستان جديد، وشعري متسرح، وبشرب قهوتي بهدوء لأول مرة من سنين.
ولما رفع عينه يبصلي…
قفلت الستارة.

تم نسخ الرابط