شلت جوزى وعيلته

لمحة نيوز

طول الطريق محدش فيهم ضغط عليها بكلمة.
أمها كانت كل شوية تبص عليها بحزن وتمسح على إيدها.
ولما دخلت بيت أهلها…
ريحة البيت لوحدها خلتها تعيط أكتر.
ريحة الأكل… صوت التلفزيون… السرير النضيف… الإحساس إنها إنسانة مش آلة.
أمها قالت: «خلاص يا بنتي… خلاص. كفاية اللي شفتيه».
الأيام الأولى كانت صعبة.
محمود اتصل أكتر من خمسين مرة.
مرة يزعق.
مرة يهدد.
مرة يعيط.
ومرة يبعت ناس من العيلة يقولوا: «الراجل مضغوط».
«وده واجب».
«الست الأصيلة تستحمل».
«أبوكِ وأمكِ هيشيلوا ذنب المرضى».
وفي مرة عمته قالت لها بحدة: «إنتي سيبتي ناس عاجزين ومشيتي!»
ليلى لأول مرة ردت: «وأنا؟ مين كان شايلني؟»
وسكتت الست.
بعد أسبوع، محمود جه بنفسه.
وقف قدام باب بيت أهلها وشكله مبهدل بطريقة عمرها ما شافتها عليه.
دقنه طالعة، هدومه مكركبة، وعينه حمراء من السهر.
أبوها دخله الصالون، وقعدت ليلى قدامه بهدوء.
أول جملة قالها: «ارجعي يا ليلى… البيت متبهدل».
بصت له طويلاً.
قال بسرعة: «أمي وقعت امبارح وأنا بحاول أقومها… وأبويا رافض ياكل من إيد أي حد».
ولأول مرة… فهمت.
هو مش جاي عشانها.
هو جاي عشان محتاجها.
قالت بهدوء: «وأنا؟ لما كنت بقع من التعب… مين كان بيقومني؟»
سكت.
«لما كنت بصحى كل ساعتين أغير حفاضات وأقيس سكر وأدي دوا… كنت فين؟»
«كنت بشتغل!»
ضحكت بمرارة: «وأنا كنت بعمل إيه؟ فسحة؟»
بدأ يتوتر: «خلاص يا ليلى… حقك عليا».
«لأ. المشكلة مش كلمة حقك عليا. المشكلة إنك شايفني خدامة… مش شريكة».
محمود حاول كتير.
بعت ورد.
بعت رسايل طويلة.
حتى أمه كلمتها تعيط وتقول: «سامحينا يا بنتي».
لكن الجرح كان أعمق من كلمة آسف.
بعد شهرين…
ليلى رجعت لشغلها القديم في مركز التحاليل.
أول يوم شغل كانت إيديها بتترعش من التوتر، لكنها حست إنها رجعت لنفسها شوية بشوية.
بدأت تهتم بنفسها تاني.
تشتري هدوم.
تنزل مع صحباتها.
تضحك.
وكان كل ما حد يقول لها: «إنتي اتغيرتي».
تبتسم وتقول: «يمكن رجعت بس».
وفي يوم… وهي خارجة من الشغل، قابلت ممرضة اسمها دينا كانت شغالة في رعاية كبار السن.
دينا سألتها: «إنتي عندك خبرة كبيرة أوي في التمريض المنزلي… ما تفتحي مشروع؟»
الفكرة علقت في دماغها.
وبعد شهور دراسة وتعب…
ليلى بدأت مشروع صغير لرعاية المسنين في البيوت.
في الأول كانت حالتين بس.
وبعدين… بقوا عشرة.
الناس كانت تحبها لأنها فاهمة تعب المريض وتعب اللي بيراعيه.
وكانت دايماً تقول لأي ست مرهقة: «ماتنسيش نفسك وإنتي بترعي غيرك».
وفي الناحية التانية…
محمود كان بيغرق.
جاب ممرض يقعد مع أبوه… فالممرض مشي بعد أسبوعين.
جاب ست تساعد أمه… طلبت مرتب كبير فزعق لها ومشيت.
بدأ يحس لأول مرة بحجم اللي كانت ليلى بتعمله.
وفي ليلة، وهو بيغير لأبوه بعد ما عمل على نفسه، قعد على الأرض وعيط.
افتكر لما كانت ليلى تعمل ده كله لوحدها… وهو قاعد يتفرج ماتش.
بعد سنة كاملة…
أبو محمود اتوفى.
والحاجة كريمة تعبت جداً بعدها.
وفي يوم… طلبت تشوف ليلى.
ليلى ترددت… لكنها راحت.
دخلت الأوضة… لقت الست عجّزت عشر سنين زيادة.
الحاجة كريمة مسكت إيدها ودموعها بتنزل: «سامحيني يا بنتي… إحنا ظلمناكي».
ليلى سكتت.
الست قالت بصوت مكسور: «كنتِ بنت مش لاقية حد يحن عليها… وإحنا استغلينا طيبتك».
المرادي… ليلى دمعت.
 بهدوء وقالت: «ربنا يسامحنا كلنا».
بعدها بأشهر…
محمود طلب يقابلها.
قعد قدامها في كافيه هادي، وقال: «أنا اتغيرت يا ليلى».
ابتسمت بحزن: «يمكن».
«مفيش فرصة نرجع؟»
بصت له طويلاً…
ولأول مرة شافته بوضوح، من غير حب أعمى، ولا تعب، ولا شفقة.
وشافت حاجة مهمة جداً…
إنها ما بقتش تتمنى يرجع.
قالت بهدوء: «أنا سامحتك يا محمود… بس مستحيل أرجع لنفسي القديمة».
نزل عينه في الأرض.
«أنا دلوقتي بعرف قيمة نفسي… ودي أغلى حاجة اتعلمتها».
قام وهو مكسور… لكنه فاهم.
بعد سنتين…
افتتحت ليلى مركز رعاية كامل باسم: "راحة بال".
وكانت واقفة يوم الافتتاح وسط الناس، لابسة أبيض بسيط، ووشها منور بطريقة مختلفة…
نور واحدة نجت.
أبوها كان واقف فخور بيها، وأمها بتعيط من الفرحة.
وفي آخر اليوم، وهي بتقفل باب المركز، وقفت تبص للافتة الكبيرة…
وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها بشنطة هدوم بس.
ساعتها فهمت…
إن أصعب خطوة في حياتها،
كانت أول خطوة أنقذت عمرها كله.

تم نسخ الرابط