حماتى المشلولة

لمحة نيوز

الضرب.
رنّ هاتفي بعد أقل من دقيقة.
ديان؟ صوت الحاجة سعاد كان مليان قلق. إنتِ كويسة يا بنتي؟ صوتك كان مرعوب.
بلعتُ دموعي بصعوبة محتاجة شغل ومكان أنام فيه أنا وابني.
سكتت ثواني ثم قالت بحزم تعالي فورًا.
بعد ساعة
كنتُ واقفة قدام فيلا ضخمة في التجمع الخامس.
البواب فتحلي الباب فورًا، وكأنه كان مستنيني.
دخلتُ وأنا متوترة، لكن الحاجة سعاد نزلت بنفسها من على السلم، واحتضنتني بقوة أول ما شافت وشي.
شهقت مين اللي عمل فيكي كده؟!
حاولت أبتسم جوزي.
تغيرت ملامحها فورًا.
وأخذتني من يدي إلى الداخل وهي تتمتم حسبي الله ونعم الوكيل.
في تلك الليلة
لأول مرة منذ سنوات
نمتُ دون أن أسمع صراخ حماتي. دون أن أغيّر حفاضات. دون أن أجري للمطبخ. دون خوف.
لكن النوم لم يدم طويلًا.
رنّ هاتفي الساعة الثالثة فجرًا.
رامي.
رفضتُ المكالمة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
ثم وصلت رسالة
ارجعي حالًا أمي عملت على نفسها ومحدش عارف ينضفها.
حدقتُ في الرسالة طويلًا
ثم أغلقت الهاتف.
ولأول مرة لم أشعر بالذنب.
في الصباح
استيقظت على رائحة قهوة.
خرجتُ من الغرفة، فوجدت شابًا طويلًا يرتدي بدلة رمادية، يضع فناجين القهوة على الطاولة.
رفع عينيه نحوي، ثم توقف فجأة حين رأى آثار الصفعات على وجهي.
كان آسر ابن الحاجة سعاد.
رجل الأعمال المعروف.
كنتُ قد رأيته مرات قليلة من قبل، لكنه دائم السفر.
قال بهدوء مين عمل كده؟
أخفضتُ عيني موضوع عائلي.
لكن الحاجة سعاد قالت بغضب جوزها الحيوان ضربها وطردها بعد ما خدمته وخدم أهله 3 سنين!
تصلبت ملامح آسر.
ثم قال بهدوء مخيف هو اللي خسر.
مرت الأيام
وبدأتُ العمل داخل الفيلا.
لكن المفاجأة
أنهم لم يعاملوني كخادمة أبدًا.
كانوا يعاملونني كإنسانة.
الحاجة سعاد كانت تجلس معي لتناول الطعام. وآسر كان دائم السؤال عن ابني آدم.
حتى أنه أحضر له مدرس إنجليزي خاص بعدما عرف أن مستواه تأخر بسبب مشاكل البيت.
أما أنا
فبدأت أتنفس من جديد.
واكتشفت شيئًا صادمًا
كنتُ أملك مهارات كثيرة دفنتها سنوات الذل.
كنتُ منظمة. أجيد الإدارة. أعرف الحسابات. وأستطيع إدارة أي بيت أو شركة صغيرة بسهولة.
وفي أقل من شهرين
حوّلني آسر من مدبرة منزل إلى مشرفة على إدارة الفيلا بالكامل ورواتب الموظفين.
قال لي يومها إنتِ أذكى من إنك تضيعي عمرك في خدمة ناس جاحدة.
كانت أول مرة منذ سنين أسمع فيها كلمة تقدير.
أما هناك
في بيت رامي
فكانت الكارثة بدأت.
الخادمة الجديدة هربت بعد 4 أيام.
والثانية سرقتهم.
والثالثة رفضت تنظيف حماته بعدما ضربتها ليلى.
بدأ البيت يتحول إلى جحيم.
حتى ابنهم آدم
رفض الرد على أبيه.
وفي أحد الأيام
بينما كنتُ أراجع الفواتير في مكتب الفيلا
دخل الحارس فجأة في واحد برّه مُصر يقابل حضرتك.
رفعتُ رأسي
فتجمد الدم في عروقي.
رامي.
كان واقفًا بملابس مهملة، وعينين مرهقتين، وكأنه كبر عشر سنين.
نظر حوله بانبهار واضح.
ثم قال إنتِ عايشة هنا؟
أجبته ببرود نعم. خير؟
اقترب بخطوات مترددة تعالي البيت يا ديان أمي تعبانة.
ضحكتُ بسخرية وأنا مالي؟
ارتبك دي أمي!
نظرتُ في عينيه مباشرة وأنا كنت إيه؟ آلة؟
خفض رأسه للحظة.
ثم قال بصوت خافت أنا غلطت.
كانت أول مرة أسمعه يقولها.
لكن قلبي لم يتحرك.
قال بسرعة والله العظيم كنت مضغوط والشغل برّه كان صعب وكاندي دي مجرد سكرتيرة.
قاطعتُه السكرتيرة اللي جبتلها برفان ب آلاف؟
احمرّ وجهه خجلًا.
ثم مدّ يده فجأة وأخرج صندوقًا صغيرًا.
فتحه أمامي.
خاتم ذهب.
حقك عليّا خلينا نبدأ من جديد.
حدقتُ في الخاتم ثواني
ثم أغلقت العلبة بيدي بهدوء.
وقلت أنا كنت محتاجة احترام مش دهب.
ثم أضفت بابتسامة باردة وده اللي أخدته هنا.
في تلك اللحظة
نزل آسر من السلم الداخلي للشركة.
كان يرتدي قميصًا أسود، ويمسك ملفًا بيده.
توقف حين رأى رامي.
ثم نظر إليّ كل شيء بخير؟
شعرتُ بتوتر رامي فورًا.
وقال بسرعة وأنت مالك؟
رد آسر بهدوء ديان شغالة عندي ومن حقي أعرف مين اللي مزعلها.
ضحك رامي بسخرية شغالة؟ دي مراتي.
ولأول مرة
رفعتُ رأسي وقلت بثبات لا أنا مطلقتك رسمي من أسبوع.
تجمّد مكانه.
شهق إيه؟!
أخرجتُ ورقة من الملف بجواري ووضعته أمامه.
أرسلتلك إنذار رسمي من أيام. إنت اللي ما فتحتوش.
بدأت يداه ترتعشان وهو يقرأ.
ثم رفع رأسه نحوي بعينين مصدومتين إنتِ طلقتيني؟
أجبته بهدوء لا يا رامي إنت اللي طلقت نفسك يوم ما كسرتني.
عاد رامي مكسورًا
لكن الحياة لم تنتظره.
بعد شهور قليلة، مات والده بأزمة قلبية. ودخلت حماته دار رعاية بعدما رفضت ليلى تحمل مسؤوليتها.
أما ليلى
فزوجها تركها بعدما اكتشف ديونها الكثيرة.
وفي المقابل
بدأت حياتي أنا تتغير تمامًا.
آسر عرض عليّ إدارة شركة صغيرة جديدة خاصة بالتنظيم والخدمات الفندقية.
وفي البداية خفت.
لكنه قال أنا واثق فيكي.
نجحت الشركة نجاحًا ضخمًا.
وبعد سنة واحدة فقط
كنتُ أجلس في مكتبي الخاص، أوقّع عقودًا بملايين الجنيهات.
أما المفاجأة الكبرى
فجاءت في عيد ميلادي.
دخل آسر المكتب، وأغلق الباب خلفه.
ثم وضع علبة صغيرة أمامي.
ابتسمتُ بتوتر إيه ده؟
قال بهدوء المرة دي هدية مش مجانية.
فتحته
فوجدت خاتمًا ألماس بسيطًا وأنيقًا.
وشعرتُ بدموعي تنزل دون إرادة.
اقترب مني وقال إنتِ ماكنتيش محتاجة شفقة يا ديان إنتِ كنتِ محتاجة حد يشوف قيمتك.
ثم مدّ يده تتجوزيني؟
ضحكتُ وسط دموعي
وأومأت بالموافقة.
وفي ليلة زفافنا
كنتُ أقف أمام المرآة بفستان أبيض بسيط، وقلبي ممتلئ بالسلام.
دخل آدم ابني الغرفة وهو يرتدي بدلة صغيرة أنيقة.
ثم احتضنني وقال ماما إنتِ بقيتي تضحكي تاني.
أغمضتُ عيني بقوة
وشعرتُ أن كل الألم الذي مرّ بي كان فقط الطريق للحياة التي أستحقها فعلًا.
أما رامي
ففي نفس الليلة
كان يجلس وحده في شقته المظلمة، ممسكًا بميدالية المفاتيح البلاستيكية الرخيصة
ويبكي.

تم نسخ الرابط