زيارة ابنى
سمعتها وهي بتهمس لجوزها في الأوضة
يعني إيه هتفكر؟ هو إحنا غرب؟ وطي صوتك يا هبة. بصراحة أنا مش فاهمة هي هتعمل بالفلوس إيه؟ ما إحنا أولى.
الجملة دي كانت القاضية.
إحنا أولى.
سعاد دخلت أوضتها وقفلت الباب بهدوء.
لكن المرة دي ماعيطتش.
بالعكس
لأول مرة من سنين، عقلها اشتغل بهدوء شديد.
وقعدت طول الليل تفكر.
الصبح، لبست أحسن عباية عندها.
وقالت لهم بابتسامة أنا عندي مشوار صغير وراجعة.
ونزلت.
لكنها ما راحتش السوق
راحت البنك.
مدير الفرع كان يعرفها من سنين.
ولما شافها قال مدام سعاد، تحت أمرك.
قالت بثبات عايزة أعرف إزاي أضمن إن فلوسي تصرف عليا أنا بس ولو حصلي حاجة تتصرف بطريقة معينة.
الراجل فهم فورًا.
وقعد يشرح لها كل حاجة.
خرجت من البنك بعدها بساعتين
لكنها ما رجعتش البيت على طول.
راحت مكان تاني.
دار أيتام صغيرة كانت بتتبرعلها كل فترة من غير ما تقول لحد.
الأطفال هناك أول ما شافوها جريوا عليها.
واحدة صغيرة حضنت رجلها وقالت تيتا سعاد اتأخرتي ليه؟
وقتها قلبها دفى لأول مرة من يومين.
رجعت البيت المغرب.
وكان واضح إن عمرو متوتر ومستني ردها.
بعد العشا، قالت تعالوا يا ولاد عايزة أتكلم معاكم.
قعدوا قدامها.
هبة كانت متحفزة. وعمرو متوتر.
أما سعاد فكانت هادية بشكل غريب.
قالت أنا فكرت كويس جدًا.
وسكتت شوية.
ثم كملت والفلوس دي مش هسلفها لحد.
الصالة سكتت فجأة.
هبة وشها احمر. وعمرو اتصدم يعني إيه يا أمي؟! ده أنا ابنك!
قالت بهدوء عارفه إنك ابني. وعشان كده ربيت نفسي طول عمري إني أساعدك على قد ما أقدر لكن مش لدرجة أضيع أماني الوحيد.
هبة قالت بعصبية إحنا مش حرامية على فكرة!
سعاد بصتلها مباشرة لأول مرة وأنا ماقولتش كده لكن سمعت كلام خلاّني أخاف على تعبي.
هبة اتجمدت.
وعمرو لف ناحية مراته بصدمة إنتي قولتي إيه؟!
سعاد رفعت إيدها مش مهم. المهم إن الفلوس دي أمان عمري. وأنا محتاجاها أحس بالأمان وأنا في السن ده.
عمرو سكت
ولأول مرة، شاف التجاعيد اللي زادت في وش أمه. وشاف خوفها الحقيقي.
مش خوف البخل
خوف الوحدة.
وفجأة
آدم الصغير خرج من الأوضة، لأنه كان صاحي وسمع الصوت العالي.
بص لجدته وقال تيته إنتي زعلانة؟
سعاد فتحت دراعها فورًا.
الولد جري حضنها.
وقال بمنتهى البراءة متزعليش أنا لما أكبر هجيبلك فلوس كتير أوي.
سعاد ضحكت وسط دموعها.
أما عمرو فحط وشه في الأرض.
لأنه فجأة افتكر كل حاجة.
افتكر أمه وهي بتشتغل زيادة عشان تدخله مدرسة كويسة. افتكر يوم باعت دهبها عشان يعالجوه وهو صغير. افتكر إنها عمرها ما قالت لأ لأي حاجة احتاجها.
وهو أول مرة يزورها من ست شهور كان داخل يطلب فلوس.
بعدها بساعتين، هبة دخلت أوضة سعاد لوحدها.
كانت مكسوفة بشكل واضح.
وقالت بصوت واطي أنا آسفة.
سعاد بصتلها وسكتت.
فكملت والله ما كنت أقصد أجرحك بس إحنا فعلًا مزنوقين وخايفة على بيتي وعيالي.
سعاد تنهدت وأنا كمان بخاف يا هبة بخاف أكبر وأتعب وملاقيس حد جنبي.
هبة دمعت.
وقعدت جنبها لأول مرة من غير تكلف.
واتكلموا ساعات
بصراحة حقيقية لأول مرة.
تاني يوم، قبل ما يمشوا، سعاد نادت على عمرو.
وادته ظرف صغير.
فتحه لقى فيه مبلغ معقول أقل بكتير من اللي طلبه، لكنه يساعده يقف على رجله.
وقال بصدمة ده إيه؟
قالت ده اللي أقدر أساعد بيه من غير ما أظلم نفسي.
عمرو عينيه دمعت أنا آسف يا أمي.
ابتسمت وربتت على إيده العيب مش إن الواحد يضعف يا ابني العيب إنه ينسى مين تعب عشانه.
ومن يومها
حاجات كتير اتغيرت.
عمرو بقى يزورها كل أسبوع تقريبًا. مش عشان فلوس.
عشانها هي.
والعيال بقوا متعلقين بيها جدًا.
أما هبة فبقت كل شوية تكلمها تطمن عليها، وتبعتلها أكل، وتاخد رأيها في تفاصيل البيت.
وسعاد؟
لأول مرة من سنين
بطلت تحوش لكل بكرة.
واشترت لنفسها حاجات كانت محرومة منها.
سافرت إسكندرية أسبوع. جابت كرسي مريح للبلكونة. واشترت فستان جديد عجبها من غير ما تحسب سعره عشر مرات.
وفي يوم، وهي قاعدة تشرب الشاي وقت الغروب، بصت لتحويشة عمرها
ثم بصت لصورة ولادها وأحفادها
واكتشفت إن الأمان الحقيقي عمره ما كان في الفلوس بس.
كان في إن الإنسان يعرف يحافظ على كرامته وفي نفس الوقت، يفضل قلبه مفتوح للحب.