مليونير خليجى

لمحة نيوز


ممكن يفتح باب استغلال كبير.
فهد رد بصوت ثابت لأول مرة أنا كنت فاكر إن الخوف من الاستغلال بيحمينا لكن الحقيقة إنه كان بيمنعنا نشوف الناس أصلًا.
القاعة سكتت.
ومع الأيام، بدأ التغيير فعلاً.
مشاريع صغيرة في الأحياء الفقيرة.
ملاجئ مؤقتة.
دعم مباشر لناس ما كانوش حتى مسجلين في أي نظام.
لكن رغم كل ده فهد كان حاسس إن في حاجة ناقصاه.
هو ما كانش بيدوّر على مشروع جديد.
كان بيدوّر عليها هي.
الست اللي قلبت ميزان حياته في يوم واحد.
وفي مرة وهو بيطلع من اجتماع، شاف على شاشة الأخبار تقرير صغير مبادرات فردية لتوزيع الطعام في عدة مناطق يقودها مجهولون يساعدون بلا مقابل.
وقف قدام الشاشة فجأة.
صورة مش واضحة بس حس بحاجة غريبة.
نفس الطريقة.
نفس الأسلوب.
نفس الاختفاء بعد العطاء.
ابتسم لأول مرة من أيام طويلة.
وقال لنفسه يبقى لسه موجودة
ومن هنا، قرر قرار جديد
مش إنه يدور عليها كمليونير.
لكن كإنسان عايز يفهم أخيرًا
هل اللي قابلها كان صدفة ولا بداية حياة تانية كاملة؟من اللحظة دي، فهد ما بقاش بيدوّر عليها بعقل رجل أعمال.
بقى بيدوّر عليها كإنسان فقد اتّزانه لأول مرة في حياته.
بدأ يراجع كل التقارير اللي بتجي من فرق المساعدات، ويقلب في أسماء المناطق، وطريقة توزيع الأكل، وحتى تفاصيل صغيرة زي نوع الأكياس أو ترتيب الصفوف.
كل حاجة كانت بتأكد له نفس الإحساس هي موجودة بس مش عايزة تتشاف.
وفي يوم، وصله بلاغ بسيط من فريق ميداني في إحدى المناطق القديمة في أطراف المدينة في سيدة بتظهر بالليل بتوزع أكل وبطاطين وبتختفي قبل الفجر.
فهد قام فورًا.
من غير حراسة.
من غير إعلان.
بس بعربية عادية لأول مرة.
وصل المكان قبل الغروب، وقعد في العربية بعيد يراقب.
الوقت عدى لحد ما الليل دخل فعلاً.
وفجأة شافها.
نفس المشية.
نفس الهدوء الغريب اللي كأنها مش ماشية على أرض، لكن على حاجة أخف.
واقفة وسط مجموعة صغيرة من الناس، بتدي طفل ساندويتش، وبتحط بطانية على رجل عجوز، وبتبتسم ابتسامة بسيطة جدًا كأنها مش شايفة نفسها بتعمل حاجة عظيمة.
فهد نزل من العربية.
مشى ناحيتها ببطء.
كل خطوة كانت تقيلة عليه أكتر من اللي قبلها.
لحد ما وقف قدامها.
رفعت عينها.
وسكتت.
ثواني طويلة من الصمت.
وبعدين قالت بهدوء إنت رجعت ليه؟
فهد بص لها وقال بصوت مختلف عن أي مرة فاتت مش عشان البطاقة ولا الفلوس أنا جيت عشان أفهم حاجة واحدة.
سكت لحظة، وبعدين كمل إزاي إنسانة ما عندهاش حاجة ممكن تدي أكتر من ناس عندهم كل حاجة؟
هي ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت يمكن عشان اللي معاه كل حاجة خايف يدي حاجة.
الكلام دخل جواه زي سهم هادي.
قعد على الأرض قدامها من غير ما يحس.
أول مرة في حياته يقعد قدام حد من غير ما يكون ماسك زمام القوة.
وقال أنا طول عمري كنت فاكر إن الفقر خطر وإن الناس هتأذي بعض لو اتسابوا من غير رقابة.
ردت عليه بهدوء واللي عنده كل حاجة ممكن يأذي الناس وهو فاكر إنه بيحميهم.
سكتوا تاني.
وبعدين قالت إنت مش جيت تفهمني إنت جيت تفهم نفسك.
الجملة دي كانت أقوى من أي عقد، وأي صفقة، وأي شركة بنى حياتها عليها.
فهد رفع عينه ليها لأول مرة من غير غرور، وقال وأنا ممكن أبدأ منين؟
هي مدت له كيس صغير فيه خبز بسيط، وقالت من هنا.
وفي اللحظة دي
فهد السالم فهم إن كل اللي بناه قبل كده
كان بداية الطريق مش نهايته فهد بصّ للكيس اللي في إيدها، كأنه شيء بسيط جدًا لكنه في نفس اللحظة كان تقيل بشكل غريب.
خبز عادي.
بس إحساسه كان بيقوله إن اللحظة دي أخطر من أي صفقة بمليارات.
رفع عينه ليها وقال عايزيني أبدأ أكل عيش؟
ابتسمت بهدوء أبدأ إنك تحس بغيرك مش تشتريه.
سكت.
الكلمة دي خبطت جواه مكان ما كانش حد وصل له قبل كده.
الناس اللي حواليهم كانوا بيبصولهم باستغراب، واحد من الأطفال قرب وقال للسيدة هي دي صاحبتك؟
ردت عليه بابتسامة مش صاحبي ده حد لسه بيتعلم.
فهد ما اتضايقش.
لأول مرة ما حسش إنه أعلى من حد.
مد إيده للكيس، وأخذ قطعة خبز، وقعد جنبها على الرصيف.
لحظة صمت.
وبعدين قال أنا عايز أساعدكم بس بطريقتي أنا.
ردت عليه بسرعة لو بطريقتك القديمة يبقى هترجع تكرر نفس الغلط.
سكت تاني.
وبعدين قال طيب إيه طريقتك إنتي؟
بصّت حواليها وقالت تعالى امشي معايا الليلة من غير كاميرات من غير اسمك من غير ما حد يعرف مين إنت.
تردد لحظة.
ثم قال موافق.
في نفس الليلة، فهد مشي معاها في شوارع عمره ما شافها من قبل.
مش شوارع الأبراج والزجاج.
لكن شوارع فيها وجوه تعبانة أطفال نايمين على أرصفة ناس بتدور على أكل.
كل مشهد كان بيكسر جزء من الصورة اللي عاش بيها سنين.
كل مرة يدي فيها حاجة بإيده، كان بيحس إنه بيرجع إنسان خطوة.
وفي آخر الليل، وقفوا قدام مبنى صغير جدًا، شبه مخزن قديم.
قالت له ده المكان اللي بنجمع فيه اللي نقدر عليه.
دخل.
وشاف حاجة ما كانتش موجودة في أي تقرير قرأه في حياته.
ناس بتساعد ناس من غير ما يستنوا مقابل.
ولا حتى شكر.
وقف في النص، وقال بصوت منخفض أنا كنت فاكر إن العالم محتاج فلوس أكتر
بصت له وقالت العالم محتاج قلب يشوف.
وفي اللحظة دي فهد فهم إن الرحلة اللي بدأها مش هتنتهي بإصلاح غيره
لكن بإعادة بناء نفسه من الأول.

 

تم نسخ الرابط