فى الشهر الثانى حكايات صافى
في الشهر التاني من جوازنا، حماتي قالتلي بما إنك عايشة في بيت العيلة، يبقى المفروض إنتي اللي تدفعي كل الفواتير. ابتسمت وقلت لها خلاص، يبقى هرجع أعيش في بيتي اللي اشتريته قبل ما نتجوز. وش جوزي خطف والدم هرب منه.
بيت إيه؟ سألني.
المعلقة هي أول حاجة وقفت.
مش الكلام.
ولا السكوت اللي ملى الأوضة.
ولا طارق، اللي كان واقف على باب المطبخ وساند إيده على الحيطة، وبيعمل نفسه داخل بس عشان يعمل قهوة.
المعلقة وقفت في قعر حلة الشوربة بتاعة طنط نادية، وطلعت صوت حكة معدن خفيفة كان ليها رنين عالي قوي ومزعج في المطبخ الواسع النضيف زيادة عن اللزوم ده.
نور الصبح كان ممدد على رخامة المطبخ، منور بس ساقع. الأوضة ريحتها قهوة سادة، ومسحوق غسيل، وشوربة الفراخ اللي طنط نادية بدأت تعملها من قبل ما أنا أنزل.
قالت جملتها من غير حتى ما تلتفت وراها
بما إنك عايشة في بيت العيلة يا فريدة، يبقى المفروض تبدأي تدفعي كل الفواتير.
المية.
الكهرباء.
الغاز.
طلبات البيت.
الصيانة.
مصاريف الجنايني اللي هي صممت تجيبه، عشان على حسب كلامها بيت زي ده ليه برستيج لازم يتحافظ عليه.
مشاوير السوبر ماركت الكبيرة.
السباك اللي كلمته وجابته من غير ما حد حتى يسألني.
كل المصاريف المستخبية الصغيرة دي كانت عمالة تزحف ناحيتي بقالها أسابيع، واحدة ورا التانية، زي أطباق بتتزق قدامك على الترابيزة.
طارق ننطقش.
وده أكتر حاجة لفتت انتباهي.
جوزي اللي بقالي معاه تلاتة وخمسين يوم واقف هناك بقميص الشغل الأزرق وساعته الغالية، وبيتفرج على أمه وهي بترمي الفاتورة تحت رجلي كأنها بتعلن قانون العيلة.
طنط نادية أخيرًا لفت وشها من ناحية البوتاجاز.
قصة شعرها الرمادي كانت مظبوطة ع الشعرة.
الجاكيت الكريمي بزراير مقفولة بالملي.
ملامحها كان فيها الهدوء الذوق اللي الناس بتصطنعه لما بيبقوا بيأمروا مش بيطلبوا.
وزودت كلامها وقالت ده العدل من وجهة نظري، إنتي عايشة هنا دلوقتي.
هنا.
مش بيتنا.
مش بيتك.
هنا.
أنا كنت ماسكة فوطة مطبخ ريحتها مسحوق الغسيل بتاعها، لأن حتى الغسيل في البيت ده كنت تحس إنه ملك حد تاني.
موج القهوة بتاع طارق كان محطوط جنب الحوض.
ورقة طلبات طنط نادية كانت جنبه، مكتوبة بخط إيدها المنظم بتاع موظفة حسابات مدرسة متقاعدة، ومكتوب فيها مناديل مطبخ، وكريمة، وأكياس قمامة كبيرة، وتحتهم خطين.
بصيت من الورقة لوشها.
وبعدين بصيت لطارق.
هو اللي دارى عينه الأول.
الحركة دي عرفتني أكتر من أي اعتراف كان ممكن يقوله.
بقالى أسابيع حاسة إن في حاجة بتترتب وتتطبع عليا.
طنط نادية رجعت بشنطتين سفر بعد ما المفروض إنها نقلت وعزلت.
طارق قالي قبل ما توصل بعشر دقايق بس.
الأوضة الفاضية رجعت تاني تبقى أوضة ماما.
الفواتير بدأت تظهر جنب مفاتيحي.
والكلام عن التضحية عشان العيلة بقى يترمى وسط العشا.
كل خدمة كانت بتتعمل بيبقى طالع منها سنارة صغيرة بتشبك فيك.
في عائلات مش بتطلب منك تختفي مرة واحدة.
هم الأول بيمسكوكي المقشة.
وبعدين الفاتورة.
وبعدين يخلوكي تشكريهم على الاتنين.
على اليوم التامن من رجوع طنط نادية، كنت بدأت أصور وأوثق كل حاجة.
في الساكت.
وبالراحة.
صورت الأظرف اللي كانت بتتسيب على الرخامة.
سيفت الرسالة اللي جاتلي الساعة 714 الصبح من طارق وهو كاتب فيها
ماما محتاجة بس استقرار ومكان أمان دلوقتي.
شلت فواتير المرافق، ووصولات السوبر ماركت، وفواتير الصيانة، وصورة عقد الملكية المختوم من السجل العقاري للبيت اللي اشتريته قبل سنتين كاملين من قبل ما طارق حتى يفكر يلبسني دبلة.
البيت اللي ما يعرفوش أصلاً إنه موجود.
البيت اللي مكتوب باسمي أنا بس في الأوراق.
البيت اللي عمري ما جبت سيرته عشان في الأول، كنت فاكرة إن الجواز معناه نبني الثقة الأول قبل ما نلعب بورق الضغط.
كنت غلطانة في الترتيب.
الصبح ده، طنط نادية كانت متوقعة إني هجادل.
كانت متوقعة إني هبص لطارق عشان يدافع عني.
كانت متوقعة إني هتحرج لدرجة تخليني أبان قليلة الذوق وعصبية في مطبخها.
بدل كل ده، ابتسمت.
مش ابتسامة رقيقة.
ولا دافية.
دي كانت نوع الابتسامة اللي بتطلع منك لما حد يديك آخر حتة في البازل من غير ما يستوعب هو عمل إيه.
طارق خد باله الأول.
بقه اتشد واغتصب ابتسامة.
طنط نادية لاء.
كانت لسه بتبصلي بنظرتها الفاحصة المحسوبة دي، ومستنياني أقبل الدور اللي هم مألفينه ومفصلينه ليا من بدري.
ست مالهاش حق في حاجة.
ضيفة عليها التزامات ومصاريف.
واحدة مطلوب منها تضخ مرتبها في بيت عمره ما هيشيل اسمها.
طبقت فوطة المطبخ مرة.
وبعدين كمان مرة.
صوت زنة التلاجة كان مسموع.
ماكينة القهوة تكت.
بره، عربية شحن عدت من قدام البيت، والستارة الخفيفة اللي في البلكونة اترفعت شوية مع هوا الصبح.
حطيت الفوطة مفرودة على الرخامة.
وقلت خلاص، يبقى هرجع أعيش في بيتي اللي اشتريته قبل ما نتجوز.
طنط نادية بربشت بعينها.
مرة واحدة بس.
بس وشها اتقلب.
حاجة بسيطة خالص.
حركة خفيفة تحت الجلد.
حسبة سريعة في دماغها حاولت تخبيها قبل ما تظهر في عينيها.
في الناحية التانية من الأوضة، طارق خشب في مكانه تماماً.
مش مفاجأة عادية.
تنح.
زي واحد بيشوف رقم بيتمسح من معادلة كان فاكر إنه حلها خلاص.
صوابع طنط نادية ساندت على طرف البوتاجاز.
وقهوة طارق فضلت محطوطة جنب الحوض من غير ما يمسها.
محدش اتمطع من مكانه.
معلقة الشوربة كانت مرمية على الرخامة، وبتنقط شوربة على الرخام الأبيض وكلنا احنا التلاتة مبحلقين في الحقيقة اللي بقت قاعدة وسطنا دلوقتي.
بعدها طارق بصلي كأني بقيت حد عمره ما شافه ولا عرفه في حياته.
بقه اتفتح.
والسؤال طلع منه مخنوق وضعيف لدرجة إنه غير حال الأوضة كلها
بيت إيه؟
يتبع
بيت إيه؟
السؤال خرج من طارق مبحوح، كأن حد سحب الهوا من صدره مرة واحدة.
بصيت له بهدوء، ورفعت حاجبي.
وقلت البيت اللي اشتريته من سنتين.
طنط نادية سابت البوتاجاز خالص واستدارت ناحيتي.
إنتي بتهزري؟
هزيت راسي.
لأ.
سكتت ثانية.
فين البيت ده؟
في التجمع.
طارق بلع ريقه.
إنتي... إنتي عمرك ما قولتي.
ضحكت ضحكة صغيرة.
وإنت عمرك سألت.
الكلمة نزلت عليه تقيلة.
لأنه كان عارف إنها حقيقة.
طوال فترة الخطوبة عمره ما سألني عن حسابي في البنك.
ولا عن شغلي بالتفصيل.
ولا عن استثماراتي.
كان مقتنع إن كل اللي محتاج يعرفه إني بنت مؤدبة ومرتبها كويس.
بس.
طنط نادية قربت خطوة.
يعني عندك بيت كامل ومستخبياه؟
ابتسمت.
مش مستخبي.
أمال؟
ببساطة محدش سأل.
المطبخ كله بقى ساكت.
حتى صوت التلاجة اختفى فجأة.
طارق أخيرًا قال
إنتي مالكة البيت فعلاً؟
فتحت موبايلي.
ضغطت كام ضغطة.
وبعدين حطيته قدامه.
صورة عقد الملكية ظهرت.
اسمي.
ختم الشهر العقاري.
وتاريخ الشراء.
قبل الجواز بسنتين كاملين.
وشه اصفر.
أما طنط نادية فكانت بتحاول تحافظ على ثباتها.
لكن عينيها فضحتها.
هي ما كانتش متضايقة من فكرة البيت.
هي كانت متضايقة إن اللعبة كلها اتغيرت.
لأن الشخص اللي كانوا فاكرينه محتاجهم...
طلع عنده بديل.