بعد وفاة زوجى
بعد وفاة جوزي ب ست شهور طلعت رحلة لشرم الشيخ، الرحلة اللي شيلنا قرش على قرش أنا والمرحوم جوزي أكتر من 30 سنة عشان نعملها.. وفي الليلة الخامسة، لسة بتعشى، لقيت مدير الفندق بينده اسمي في المايك وبيقول جوز حضرتك ساب وصية.. بصي تحت الترابيزة رقم 7.
أول ما سمعت اسم فتحي، الشوكة وقعت من إيدي.
جوزي مات وفارق دنيتنا من ست شهور!
كنت قاعدة وسط مئات الضيوف اللي لابسين على سنجة عشرة في الصالة الكبيرة، ومدير الفندق واقف في النص وبيقول إن فتحي كان مجهز لي مفاجأة قبل ما يقابل كريم!
دقات قلبي بقت تترزع في صدري، وكل عيون الناس اتلفتت تبص عليا.
يا حاجّة فاطمة؟ مدير الفندق نده تاني.
أنا هنا.. طلعت الكلمة بالعافية من بوقي.
ملامحه كان فيها حنية، بس صوته كان بيرتعش وهو بيقرب مني جوزك الله يرحمه محرج عليا اني لازم أقولك الكلمتين دول بالظبط. شاور بإيده تحت الترابيزة بصي تحتها.
بصيت على الكارت اللي محطوط قدامي.. الترابيزة رقم 7.
دي الترابيزة اللي كنا محددينها أنا وهو عشان نحتفل بعيد جوازنا الأربعين.. المكان اللي كان المفروض يبقى قاعد فيه قصادي ويتبسم لي.
طول 32 سنة، كنا بنحوش أنا وفتحي عشان حلم واحد نطلع رحلة العمر دي سوا.
كل سنة في عيد جوازنا، كنا بنشيل مبلغ في علبة بسكوت صاج قديمة كاتبين عليها بخط إيدنا شقى العمر. كنا بنحلم نقعد على البلكونة قدام البحر ونشرب شاي ببلبن سوا، هو كان نفسه يرقص معايا في الحفلات، وأنا كان نفسي ألف في الأسواق القديمة وأشتري هدايا وآكل غزل بنات وأم علي قبل العشا.
بس كل سنة، كانت الدنيا بتمد إيدها جوة العلبة دي قبل ما نلحق.
مرة السخان يبوظ ويفيض غرق الشقة..
مرة ابننا الكبير يعوز مصاريف الكلية..
مرة أمي تعيا وتطلب علاج ودكاترة..
وبعدها فتحي نفسه عمل عملية قلب مفتوح.
كل مرة، كان يلزق غطا العلبة القديم بالسلوتيب، ويضحك في وشي ويقولي السنة الجاية يا بطوط.. الجايات أكتر من الرايحات.
وكان دايماً في بالنا إن فيه سنة جاية..
لحد ما قبل الرحلة بسنه، الدكاترة قالوا لنا إنه مصاب بالمرض الوحش في البنكرياس.. وتوفاه الله بعد حداشر أسبوع.
ست شهور وتذاكر الرحلة مستخبية في درج المطبخ تحت مفارش البلاستيك. مش قادرة ألغيها، ولا قادرة أبص فيها
لحد ما في يوم، بنتي مروة حطت التذاكر قدامي على ترابيزة السفرة وقالت لي بحنية أبويا كان عاوزك تروحي يا أمي.. إنتي مدافنتيش أحلامك معاه في القبر.
لكن ابني أحمد كان رأيه تاني هتسافري لوحدك وتسيبي البلد يا أمي؟ مش هينفع.
قلت له مش هكون لوحدي، الفندق والبلد مليانه ناس.
قال لي أنتي فاهمة قصدي يا أمي.. أنتي لسة قلبك مجروح.
رديت عليه وأنتم كمان مجروحين، بس أنا محبستكمش في البيوت.
الحقيقة.. كنت مرعوبة. قضيت عمري كله بأدي واجبات وبشيل هموم غيري وبأجل فرحتي. بس في الآخر قفلت الشنطة وقلت أنا دفنت جوزي، بس انا لسه عايشه واقدر احقق كل حلم عشنا عشان نحققه سوا.
سافرت لوحدي.
أول يوم الصبح، طلبت كوبايتين شاي بالنعناع من غير ما آخد بالي. لما الويتر حط الكوباية التانية قصادي، بصيت على الكرسي الفاضي بتاع فتحي وكنت هعيط وألم عليا الناس. كل وقت مغرب كان بيفكرني إنه كان المفروض يبقى جنبي.. كل اتنين متجوزين بيضحكوا كانوا بيحسسوني بالوحدة.
بس غصبت على نفسي أكمل.
نزلت مع فوج سياحي وفضلت ساكته بفكر في كل حاجه حلم يعملها هنا
لحد ما جت الليلة الخامسة.
لبست الفستان اللي كان فتحي بيحبه، ودخلت الحفلة الكبيرة لوحدي. وفي نص الحفله، الصالة كلها سكتت.
ودلوقتي.. تحت الترابيزة رقم 7، صوابعي اللي بترتعش لمست علبة كبيرة متغلفة بورق هدايا أحمر.
شدتها وحطيتها على حجري.
اسمي كان مكتوب عليها من فوق فاطمة.
ده خط فتحي.. خطه اللي حافظاه صم.
نفسي اتكتم.. وهمست عملت كده إزاي يا فتحي؟
وسط عيون مئات الناس اللي بتتفرج، قطعت الورق الأحمر بالراحة.
ولما شفت فتحي حاطط إيه جوة العلبة.. ومعاها جواب اعتذار قدام الكل كان مأجله بقاله 25 سنة.. حطيت إيدي الاتنين على بوقي من الصدمة.
فتحت العلبة وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا.
أول حاجة كانت فوق... شال أبيض من الحرير.
عرفته من أول لمسة.
ده الشال اللي كنت وقفت قدامه في محل وسط البلد من خمسة وعشرين سنة، يوم عيد جوازنا الخامس عشر.
وقتها قلت لفتحي وأنا بضحك سيبه... غالي أوي، الفلوس أولى.
ضحك وقال لما نبقى أغنيا هجيبهولك.
ونسيناه.
أو يمكن... أنا اللي افتكرت إنه نسي.
تحت الشال كانت علبة خشب صغيرة، محفور عليها بحروف دقيقة
افتحي الجواب الأول قبل أي حاجة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك الظرف.
الورقة كانت مصفرة من الزمن.
ريحة الدرج القديم طالعة منها.
وخط فتحي...
خطه اللي كنت بشوفه كل يوم على ورق المصاريف وقوايم الطلبات.
بدأت أقرأ
فاطمة... لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا خلاص عند رب كريم، ويمكن لأول مرة أقدر أقولك الحقيقة من غير ما أخاف أخسرك.
وقفت.
نفسي اتقطع.
كملت.
أنا آسف... آسف على اليوم اللي خليتك تعيشي خمسة وعشرين سنة وانتي فاكرة إني خنتك.
عيوني وسعت.
إيه؟
أنا؟
أنا عمري ما واجهته أصلاً.
لكن... عمري ما نسيت.
في اللحظة دي رجع اليوم ده قدام عيني كأنه بيحصل دلوقتي.
اليوم اللي رجع فيه متأخر بعد نص الليل.
ريحة برفان ست على هدومه.
وفي جيب الجاكيت...
إيصال شراء خاتم دهب.
ولما سألته وقتها، سكت.
سكت بس.
قال صدقيني... مش هقدر أقولك دلوقتي.
وأقفل الكلام.
ومن يومها...
ولا أنا سألت تاني.
ولا هو شرح.
لكن جوايا، فضل الجرح موجود.
يمكن عشان كده عمرنا ما رجعنا زي الأول مية في المية.
حبينا بعض...
ضحكنا...
ربينا عيالنا...
لكن كان فيه باب مقفول بينا عمره ما اتفتح.
ورجعت أبص للجواب.
وكان مكتوب
أنا سكت... لأن الحقيقة وقتها كانت هتدمر ناس بريئة. لكن النهارده مفيش حد هيخسر غير الوجع اللي شلناه سنين.
قبل ما أكمل السطر اللي بعده...
مدير الفندق قرب بهدوء.
وقال بصوت واطي
الحاجة فاطمة... الله يرحمه طلب مني لما توصلي للجزء ده، أديكي الحاجة دي.
ومد لي ظرف أصغر.
الظرف كان مختوم بالشمع الأحمر.
وعليه جملة واحدة
افتحيه قدام الشهود... لأن اللي جواه يثبت إني كنت مذنب... لكن مش بالخيانة اللي انتي فاكراها.
الصالة كلها كانت ساكتة.
حتى الفرقة الموسيقية وقفت.
الناس بقت بتبص بيني وبين الظرف.
وأنا...
كنت حاسة إن الحقيقة اللي استخبت ربع قرن...
هتخرج للنور بعد ثواني مسكت الظرف الصغير بإيدي الاتنين.
قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعة صوته أعلى من همس الناس حواليا.
بصيت لمدير الفندق وقلت هو... هو كان عارف إنه هيموت؟
نزل راسه وقال بحزن أيوه يا حاجة فاطمة... جه هنا قبل ما يتعب بشهرين. كان ماشي على رجليه، لكن التعب كان باين في عينه. فضل يقعد معايا أكتر من أربع ساعات، وكل شوية يقول لي لو ربنا كتبلي العمر هاجي مع مراتي بنفسي... ولو مكتبتش، أوعى تخلف وعدك معايا.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت ختم الشمع.
طلع ظرف قديم جدًا...
وفيه صورة فوتوغرافية باهتة.
أول ما بصيت فيها، حسيت إن الدنيا لفت بيا.
الصورة كانت لفتحي...
واقف قدام محل دهب.
وجنبه ست.
إيدي ارتعشت.
دي نفس الست...
اللي كنت شفت ريحة برفانها على هدومه من خمسة وعشرين سنة.
ونفس اليوم...
اللي رجع فيه بعد نص الليل.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط فتحي
دي الصورة اللي كانت السبب إنك فضلتِ فاكرة إني