عودة بعد أسبوع

لمحة نيوز

كنت مسافرة في رحلة عمل استمرت أسبوعاً كاملاً، وهي فترة طويلة نسبياً بالنسبة لروتين عائلتنا الصغيرة، حيث تركت ابنتي نور ذات الاثني عشر عاماً مع والدها خالد. كانت نور دائماً طفلة مسؤولة، عاقلة، ومستقلة فوق سنها، مما جعلني أغادر وأنا مطمئنة تماماً، فخالد رغم انشغاله الدائم بأبحاثه التاريخية وقراءاته، إلا أنه أب حنون ويهتم بتفاصيلها، ولم يكن هناك ما يستدعي القلق أو يثير الريبة في نفسي، غير أن رحلة العودة تحولت إلى كابوس مبطن بالانتظار، إذ تأخرت الطائرة في مطار المغادرة لعدة مرات بسبب سوء الأحوال الجوية، ولم أتمكن من الهبوط والوصول إلى عتبة بيتنا إلا قبل منتصف الليل بقليل، في ليلة شديدة البرودة والظلمة. حين وضعت المفتاح في قفل الباب وفتحته، تسلل إليّ شعور غريب ومقبض، فالبيت لم يكن هادئاً كالعادة بل كان غارقاً في عتمة حالكة وسكون مطبق يثير الخۏف في النفوس، وفي تلك اللحظة لمحت بطرف عيني مشهداً غير مألوف على الإطلاق؛ كانت ابنتي نور مستلقية على أرضية المطبخ الباردة، متدثرة ببطانية خفيفة وموسدة رأسها على وسادة صغيرة، فوقفت مكاني لثوانٍ عاجزة عن الاستيعاب، وأخذت التساؤلات تهاجم عقلي بحدة ما الذي يدفع طفلة للنوم على بلاط المطبخ؟ ولماذا تركت غرفتها الدافئة؟ هل حدث تسريب للمياه أو الغاز؟ أم أن غرفتها أصبحت غير آمنة لسبب ما؟ وحين ركعت بجانبها وتفحصت أنفاسها المنتظمة ووجهها المرهق دون وجود أي إصابة ظاهرة، قررت عدم إيقاظها وتوجهت فوراً للبحث عن زوجي، فدخلت غرفتنا لأجد محفظته وشاحن هاتفه مكانهما بينما هو مختفٍ تماماً، وفي تلك الأثناء، لمحت خيطاً رفيعاً من النور ينبثق من تحت باب غرفة نور، فاقتربت بخطوات حذرة وسمعت أصواتاً خاڤتة وغير مفهومة تليها حركة أثاث ثقيل يُجر على الأرض، فدفعني الفضول والخۏف لفتح الباب قليلاً، وهنا اتسعت عيناي رعباً وتجمد الډماء في عروقي حين رأيت زوجي خالد يجلس على الأرض في وسط الغرفة، محاطاً بدائرة ضخمة من الشموع السوداء المشټعلة، وهو يمسك بقلم فحم عريض ويعيد رسم نقوش ورموز غريبة على جدران الغرفة التي كانت مغطاة بالكامل بورق حائط قديم لم أره من قبل، بينما كانت قطع الأثاث مكدسة في الزوايا بطريقة عشوائية كأنها ساتر يحمي شيئاً ما في المنتصف، وكان يتحدث بصوت منخفض، وتيرة واحدة، كأنه يلقي تعاويذ أو يخاطب كائناً غير مرئي، متجاهلاً تماماً أن الساعة تجاوزت منتصف الليل وأن ابنته تنام في المطبخ هرباً من هذا الجنون الذي يملأ غرفتها.
بقيت متجمدة في مكاني خلف شق الباب، وأنفاسي تكاد تتوقف وأنا أراقب هذا المشهد السريالي الذي يضرب بكل ما أعرفه عن زوجي عرض الحائط؛ فخالد الرجل العقلاني، الأكاديمي الذي طالما سخر من الخرافات والغيبيات، كان يبدو الآن كأنه
كاهن
في طقس مظلم، وعيناه مائلتان للجمود والتركيز الشديد، وجسده يتحرك بآلية غريبة ټرعب الناظر إليها. تسللت من الغرفة رائحة نفاذة تشبه خليطاً من البخور العتيق والكبريت المحروق، رائحة تخنق الأنفاس وتجعل الرأس يدور، وحين حاول خالد الالتفات فجأة نحو الباب كأنه شعر بوجودي، تراجعت إلى الخلف بسرعة وبخطوات خفيفة تكاد لا تلمس الأرض، مدركة أن مواجهته في هذه الحالة وفي هذا الوقت المتأخر قد تؤدي إلى عواقب لا أستطيع التنبؤ بها، خصوصاً مع وجود ابنتي النائمة في المطبخ والتي يجب أن أحميها أولاً وقبل كل شيء. عدت إلى المطبخ بخطوات متثاقلة، وقلبي يقرع كطبل حرب، وانحنيت فوق نور وهززت كتفها برفق قائلة بصوت هامس يرتجف نور.. حبيبتي، استيقظي، أنا هنا، ففتحت عينيها ببطء، وفي عين الصمت والنعاس، رأيت في نظرتها مزيجاً من الړعب والراحة المفاجئة لرؤيتي، فاحتضنتني بقوة وأخذت تبكي بصمت دون أن تصدر صوتاً، وكأنها تدربت على مدار الأسبوع الماضي ألا ترفع صوتها أبداً خوفاً من شيء ما يتربص بها في أرجاء هذا البيت الذي تحول فجأة إلى مكان غريب ومرعب.
حملت نور مخدتها وبطانيتها وقادتها بهدوء شديد نحو غرفة الضيوف البعيدة نسبياً عن غرفة نومها، وأغلقت الباب خلفنا بإحكام، ثم جلست بجانبها على السرير، ووضعت يدي على كتفها لأهدئ من روعها، وسألتها بنبرة حاولت أن تكون حانية وثابتة قدر الإمكان نور، أخبريني يا ابنتي، ماذا يحدث هنا؟ لماذا تنامين في المطبخ؟ وما الذي يفعله والدك في غرفتك؟، فمسحت دموعها بأكمام بيجامتها ونظرت إليّ بعينين واسعتين تعبران عن صدمة بالغة وقالت بصوت متهدج أمي، بدأ الأمر في الليلة الثالثة بعد سفرك؛ عاد أبي من جامعته ومعه صندوق خشبي قديم جداً مليء بالكتب والأوراق الصفراء، وكان يبدو عليه حماس غير طبيعي، ودخل غرفتي بحجة أنه يبحث عن مساحة هادئة بعيدة عن ضوضاء الشارع، لكنه بدأ يطلب مني النوم في الصالة، ثم تطور الأمر ليطلب مني البقاء في المطبخ لأنه قال إن غرفتي هي المركز.. مركز شيء يسميه الانعكاس البابلي، ولم أفهم ما يقصده، لكنه كان ينظر إليّ بنظرات غريبة ويقول إنني يجب أن أظل قريبة من الأرض حتى لا تؤذيني الأرواح التي يستدعيها. نزلت كلماتها عليّ كالصاعقة، فكيف لزوجي أن يعرض حياة ابنته للخطړ ويجبرها على النوم في المطبخ من أجل أوهام وأبحاث غامضة، وشعرت بمزيج من الڠضب العارم والخۏف الشديد على عائلتي.
استمرت نور في سرد تفاصيل الأسبوع المرعب الذي عاشته في غيابي، موضحة أن والدها توقف عن الذهاب إلى العمل تماماً بعد اليوم الرابع، وكان يقضي الليل كله في غرفتها يتحرك ويتمتم بكلام غير مفهوم، بينما يقضي النهار نائماً أو مستغرقاً في قراءة تلك المخطوطات القديمة، وأنه كان يمنعها
من فتح
النوافذ أو تشغيل الأضواء العادية، مدعياً أن النور الاصطناعي يفسد الروابط، وكانت نور تخاف من معارضته لأن ملامحه تغيرت، وصوته أصبح أكثر غلظة وعمقاً، وحتى مشيته أصبحت ثقيلة وغير طبيعية، وكان يتحدث أحياناً مع نفسه بلغة غريبة ذات حروف حلقية قاسېة لم تسمعها من قبل في حياتها. بينما كانت نور تتحدث، شعرت ببرودة شديدة تسري في غرفة الضيوف، وكأن الهواء بدا يتجمد من حولنا، وفجأة انطفأ المصباح الصغير الذي كنا نستضيء به، وساد الظلام التام مرة أخرى، ثم سمعنا صوت خطوات ثقيلة وبطيئة تتقدم في الممر المؤدي إلى غرفتنا، خطوات كانت تقترب وتتوقف عند كل باب، وكأن صاحبها يبحث عن شيء ضائع أو يتفقد أرجاء المنزل ليتأكد من عدم وجود أي متسلل، فكتمت أنفاسي وضممت نور إلى صدري وقررت أن أواجه هذا الموقف مهما كانت النتائج بمجرد طلوع الفجر.
حين استقر الفجر بنوره الرمادي الخاڤت في الأفق، وتأكدت أن الأصوات في الممر قد اختفت تماماً، تركت نور نائمة بعد أن غلبها التعب الشديد، وتوجهت بخطوات حذرة نحو المطبخ لإعداد كوب من القهوة لعلي أستعيد بعضاً من تركيزي الضائع، وفي طريقي مررت بغرفة نور فوجدت بابها موارباً، فدفعت الباب ببطء ونظرت للداخل؛ كانت الشموع قد انطفأت وخلفت وراءها بقعاً سوداء على الأرضية، وكان خالد مستلقياً في وسط الدائرة على ظهره، وعيناه مفتوحتان وتحدقان في السقف دون حراك،

تم نسخ الرابط