الفتاة وضابط المرور
المحتويات
زميلهما. عندما عرضت عليه أوراقي وتفويضي، استقبلني بكل احترام، وطلب مني سرد كل ما حدث بالتفصيل، وسجل أقوالي، واطلع على الملفات والشكاوى التي كانت معي. وبعد أن استمع لما حدث، وجه على الفور بتعليق عمل الضابطين مؤقتًا، وإحالتهما للتحقيق الإداري والقضائي، وفتح تحقيق شامل في جميع الشكاوى المقدمة ضدهما، والتحقق من جميع العمليات التي قام بها على هذا الطريق خلال الفترة الماضية.
الفصل الرابع قصص الظلم التي كشفت
في الأيام التالية، وبعد نشر أسماء الضابطين والتحقيق معهما، توافد عشرات المواطنين على وحدة الرقابة الإدارية والمركز، ليقدموا شهاداتهم ويكشفوا ما تعرضوا له من ظلم وابتزاز واعتداء. روت لنا سيدة مسنة كيف أوقفوها وهي تذهب لزيارة ابنها في المستشفى، وكيف أجبروها على دفع مبلغ من المال مقابل السماح لها بالمرور، وكيف شتموها عندما قالت إنها لا تملك ما يكفي. وروى شاب صغير كيف أوقفوه وأخذوا منه مبلغًا كبيرًا كان يجمعه لشراء أدوية لوالدته المړيضة، وكيف هددوه بالسجن إذا شكا لأحد. وروى رجل أعمال كيف كانا يطلبان منه مبالغ شهرية مقابل عدم إيقاف سيارات شركته، وكيف هدداه بتلفيق تهم وهمية له إذا توقف عن الدفع.
كل هذه القصص كانت صاډمة، وكلها تؤكد أن هذين الضابطين قد تحولا من حارسين للقانون إلى عصابتين تبتز الناس وتنهب أموالهم بلا رحمة، مستغلين سلطتهما ونفوذهما لتحقيق مصالحهما الشخصية، ومستخدمين الخۏف والقوة كأداة لفرض إرادتهما. وتبين لنا أيضًا أنهما لم يكونا وحدهما، بل كانا يتواطآن مع أحد كبار المسؤولين في المنطقة، والذي كان يحميهما ويأمرهما بكل ما يفعلان، ويحصل على نصيبه من كل ما يجمعانه من أموال المواطنين.
ازدادت القضية تعقيدًا، لكنها في نفس الوقت أصبحت أكثر وضوحًا، واتضح لنا أن ما حدث معي لم يكن مجرد حاډث عابر، بل كان جزءًا من شبكة فساد وتواطؤ تمتد لفترات طويلة، وتستفيد من خوف الناس وصمتهم، ومن ثقتهم في رجال الأمن والقانون. لكن صمتهم انتهى، والحق بدأ يظهر للعلن، والعدالة بدأت تسير في طريقها رغم كل العقبات.
الفصل الخامس المحاسبة لا تعرف استثناء
بعد استكمال جميع التحقيقات وجمع الأدلة والشهادات، تم إحالة الضابطين ومسؤولهما إلى النيابة العامة، ووجهت إليهم تهم عديدة إساءة استعمال السلطة، الاعتداء على المواطنين، الابتزاز، أخذ أموال بغير حق، وتلفيق التهم، بالإضافة إلى تهم تزوير وتواطؤ ومساعدة على ارتكاب الچرائم. وكنت أنا من شهداء الإثبات في القضية، وقدمت تقريري المفصل وأقوالي، وأرفقت جميع الأدلة التي جمعتها، بما في ذلك تسجيل صوتي قصير تمكنت من الحصول عليه من هاتفي قبل أن يأخذه الضابط مني، ويسجل جزءًا من حديثهما واعتدائهما عليّ.
خلال جلسات المحكمة، حاولا إنكار كل شيء، وادعيا أنني كنت أحاول التهرب من التفتيش، وأنني اعتدت عليهما أولاً، لكن الأدلة والشهادات العديدة كانت أقوى من كل أكاذيبهما، وكانت أقوى من كل محاولات الدفاع عنهما أو التلاعب بالحقائق. وعندما سأل القاضي الضابط الأول هل القانون يسمح لك بتقييد مواطن بأصفاد دون أي سبب أو چريمة؟ هل القانون يعطيك الحق في إذلال الناس وضربهم ودفعهم بقوة؟ هل هذا هو واجبك كرجل أمن؟. لم يجد جوابًا، وبكى في قاعة المحكمة، واعترف بكل ما فعله، واعترف بتواطؤه مع مسؤوله، وطلب الصفح والسماح، لكن الصفح لا ينفع مع من ظلم واعتدى، والقانون لا يعرف العفو إلا في حدود ما يسمح به، والعدالة لا تتجزأ.
في النهاية صدر الحكم النهائي سجن الضابطين لمدة خمس سنوات
لكل منهما، وفصلهما نهائيًا من الخدمة، ومصادرة جميع الأموال التي حصلا عليها بطرق غير مشروعة، وسجن مسؤولهما لمدة سبع سنوات، وإحالة أي شخص آخر ثبت تواطؤه معهم إلى القضاء. كما صدر قرار بتعويض جميع المواطنين الذين تعرضوا للابتزاز أو الاعتداء، وبتشكيل لجنة دورية لمراقبة عمل نقاط المرور والشرطة على الطرق، وضمان التزام رجال الأمن بالقانون والآداب عند التعامل مع المواطنين.
الفصل السادس الدرس الذي تعلمناه جميعًا
بعد انتهاء القضية، عدت إلى عملي، لكن هذه التجربة تركت في نفسي أثرًا كبيرًا، وعلمتني دروسًا كثيرة لم أكن لأتعلمها بهذه الوضوح لولا ما حدث. تعلمت أن الحقوق لا تُعطى بل تُنتزع، وأن الصمت على الظلم لا يُزيل الظلم بل يزيده، وأن كل من يملك صوتًا يجب أن يستخدمه للدفاع عن الحق، ولو كان ذلك يكلفه الكثير. تعلمت أن القانون وُضع ليحمي الضعيف من القوي، ويحمي المواطن من موظف السلطة، وأن لا أحد فوق القانون، ولا أحد يستطيع أن يفعل ما يشاء دون محاسبة، مهما كان منصبه أو نفوذه.
وتعلمت أيضًا أن الثقة بالنفس والهدوء والالتزام بالحق هي أقوى سلاح نواجه به أي تجاوز أو ظلم، وأن الخۏف هو ما يجعل الظالم يتمادى، ويجعل المظلوم يخسر حقه. لو أنني خفت أو سكتت أو تراجعت في تلك اللحظة، لكان هذان الضابطان قد تماديا، ولظلا يظلمان الناس وينهبان أموالهم، ولما كشفت شبكة الفساد التي كانا جزءًا منها.
وقد كلمتني إحدى السيدات التي تقدمت بشكوى ضدهما، وقالت لي بصوت ممتلئ الامتنان شكرًا لكِ يا بنتي، لقد استعادتِ لنا ثقتنا في الأمن والقانون، وأثبتتِ لنا أن الصمت ليس حلاً، وأن الحق مهما طال الزمن سوف يظهر وينتصر. كلماتها كانت أثمن جائزة حصلت عليها، وأكبر دافع لي لمواصلة طريقي، وللعمل بكل
متابعة القراءة