سلفتي مش بتحب السمك ج 2 بقلم منى السيد

لمحة نيوز

 وانتي كنتي عارفة؟ انتي كنتي عارفة إنها بتكذب وشاركتي في الفيلم ده؟ جيتي تقولي لطارق خلو بالكم منها وخلوا إيمان تخدمها؟! انتي ترضي حد يعمل كده في بناتك؟! ترضي بنتك تبقى قاعدة مخدومة بالكذب ومسخرة سلفتها وبتضحك عليها وعلى جوزها؟!

حماتي سكتت، ملقتش كلمة واحدة ترد بيها، حطت وشها في الأرض وهي بتتنفس بسرعة وعكازها بيخبط في السجادة برعشة إيدها.

أنا وقفت قدامهم كلهم، وقولت بكل هدوء وبنبرة مفيهاش أي تردد: أنا حقي جه قدام ربنا وقدامكم كلكم. وعشان تبقوا عارفين، أنا لا بلغت بوليس، ولا شيرت التسجيل ده عند حد، ولا فضحتم في العمارة زي ما كنتوا ناويين تفضحوني وتقولوا سقطت بسببي. أنا بنت ناس ومتربية، وبعرف أصون البيت اللي دخلته حتى لو أهله ما صانوش كرامتي.

بصيت لسارة وقولت: انتي يا سارة، ليكي رب يحاسبك على النعمة اللي بتلعبي بيها وبتكدبي باسمها، وأنا ماليش دعوة بيكي من اللحظة دي، لا ليكي سلام عندي ولا كلام، وشقتك دي عتبتها محرمة عليا ليوم الدين، لو شوفتك ماشية على السلم قدامي، هعتبر نفسي شايفة هوا.

وبعدين لفيت لحماتي: وانتي يا ماما، كنت بحترمك زي أمي وبشيلك على راسي، بس اللي يرضى لمرات ابنه الإهانة ويساعد في كسرها عشان خاطر التانية، يبقى معندوش عدل. بيتك مفتوح لعيالك، لكن أنا كفايتي من المجاملات لحد هنا، مش هتشوفي مني قلة أدب، بس برضه مش هتشوفي مني الود القديم.

وأخيرًا، بصيت لطارق.

طارق كان واقف زي التايه، بصلي وعينيه مليانة ندم واعتذار: إيمان... أنا مكنتش أعرف، أنا أسف، حقك عليا، أنا كنت فاكر...

قاطعته بحزم: انت كنت فاكر إني أنا الحيطة المايلة يا طارق. كنت دايمًا تطلب مني أنا اللي أضحي، أنا اللي أستحمل، أنا اللي أعدي عشان المركب تسير، لحد ما المركب داست على كرامتي وكسرتني. لو انت شايف إن رجولتك تسمح إن مراتك تتهان ويتضحك عليها وانت تقف ضدي، يبقى إحنا ملناش عيشة مع بعض.

طارق مسك إيدي بلهفة قدامهم كلهم، وصوته كان مكسور: لأ يا إيمان، متقوليش كده، والله العظيم ما هسمح لمخلوق يقرب منك تاني، ولا حد هيدخل شقتك ولا يطلب منك مليم ولا خدمة، انتي ست البيت ده وتاج راسي، وأنا اللي هردلك اعتبارك قدام الكل.

يوسف كان واقف مش طايق يقعد ثانية واحدة، مسك سارة من دراعها وشدها من على الأرض بقسوة وقال لها بصوت صارم: قسماً بالله العظيم يا سارة، هدومك في شنطتك دلوقتي حالا، وعلى بيت أمك اللي خططتلك، ورجوعك ليا بعد اللي عملتيه ده فيه شك كبير، عشان اللي تتاجر بضنى ميت وتستحل كرامة الناس، متبقاش أم لعيالي أبدًا!

سارة خرجت وراه وهي بتصرخ وتترجاه، صوت عياطها كان مالي العمارة كلها، بس المرة دي مكنش دموع تمثيل، كان دموع الفضيحة والحسرة على اللي ضيعته بإيدها.

حماتي قامت ببطء شديد، مكسورة ومحنية الضهر، خرجت من الشقة من غير ما تنطق ولا كلمة واحدة، حتى عكازها مكنش قادر يشيلها.

قفلت باب الشقة وراهم كلهم.

الصالة رجعت هادية تمامًا، مفيش غير صوت أنفاسي وأنفاس طارق اللي كان واقف باصص لي وعينيه كلها ندم.

طارق جه قعد جمبي على الكنبة، وطى راسه وحط إيده بين رجليه وقال: أنا استاهل أي حاجة تقوليها، عميت عيني عن الحق عشان أريح دماغي، وصدقت من غير ما أفكر. حقك عليا يا أم ولادي، واللي تطلبيه عشان ترتاحي أنا هنفذه، حتى لو عايزانا نعزل من البيت ده كله وناخد شقة برة بعيد عنهم، أنا جاهز.

بصيت له شوية، وشوفت في عينيه صدق الندم لأول مرة من سنين. قولتله بهدوء: إحنا مش هنعزل يا طارق، ولا هنهرب. أنا مكسرتش حاجة عشان أهرب، بيتي ده ملكي وبشقى عمرك، واللي غلط هو اللي يخجل ويستخبى. بس من النهاردة، فيه خطوط حمرا مفيش مخلوق يتعداها. لا أمك تحددلي أطبخ إيه ولا أعمل إيه في بيتي، ولا سلفتك تلمح خيالي، وانت... كلمتك معايا تبقى بحساب، وأي حاجة تخص أهلك تخصك انت لوحدك، أنا شيلت إيدي من أي التزام يخصهم.

طارق هز راسه بموافقة تامة: اللي تشوفيه يا إيمان، وعهد عليا قدام ربنا مش هيتكرر الكلام ده تاني أبدًا.

عدت الأيام، والعمارة اتغيرت تمامًا.

سارة فضلت عند أمها أكتر من شهرين، يوسف مكنش راضي يرجعها، ومحدش كان قادر يفتح بقه معاه لأن الفضيحة كانت طالتهم كلهم، وفي الآخر رجعت بشروط مذلة، بقت تدخل وتخرج من غير ما تبص في وش حد، راسها في الأرض، وصوتها ملهوش أي أثر.

حماتي عرفت إن كلمتها مابقتش تمشي عليا، وبقت تعاملني بحذر واحترام مبالغ فيه، خايفة من الكلمة ومتحاشية أي احتكاك.

أما أنا، فبقيت أعيش براحتي تمامًا في شقتي.

يوم الجمعة اللي بعد الحادثة دي بشهر، نزلت السوق الصبح بدري، اشتريت أحسن سمك موجود في الشادر، سمك ماكريل وبلطي وجمبري، ورجعت شقتي ونضفته، وولعت شوايتي على أعلى نار، وفتحت شبابيك الصالة والمطبخ على الآخر.

الريحة ملت العمارة من أول دور لآخر دور، ريحة السمك المشوي بالتوابل والليمون والتوم، ريحة الأكل اللي ولادي وجوزي بيحبوه.

وقفت في البلكونة أشم الهوا، وبصيت لتحت، لقيت طارق طالع من الصلاة ومعاه العيال بيضحكوا، أول ما شموا الريحة، ابني الصغير شاورلي من تحت وفضل يضحك ويقول: سمك يا ماما! سمك!

ابتسمت من كل قلبي، وعرفت إن الحق لما بيتاخد بقوة وثبات وأدب، مفيش ريحة كيد في الدنيا تقدر تداري عليه، وإن البيت اللي بيتبني على كرامة صاحبته بيفضل عالي ومحدش يقدر يكسره.

تم نسخ الرابط