خطيبى الظابط
نظرت إلى بدلته الرسمية وتذكرت اللحظة التي شعرت فيها بثقل غريب أول ما رأته، فبلعت ريقها من جديد.
توقفت السيارة أمام مبنى رمادي، لا يحمل أي لافتة واضحة، مجرد باب معدني كبير وحارس يقف بجانبه في صمت.
وصلنا.قالها شريف وهو يفصل المحرك.
وصلنا فين؟ سألت وهي تنظر حولها بريبة.
نزل أولًا، ثم فتح لها الباب ومد يده إليها، بنبرة هادئة لا تحتمل الرفض:انزلي.
نزلت ببطء، قدماها ثقيلتان وعيناها تتحركان في المكان كأنها تبحث عن مخرج وهمي.
قالت وهي تقترب منه. شريف أنا مش مطمنة.
وضع يده على كتفها وضغط بخفة وقال بثقة: انشفي شوية ده احنا لسه في الاول.
دخلوا المبنى ومع كل خطوة تخطوها أعصابها تنهار أكثر وكل نفس كانت تأخذه يبدو أعلى من اللازم.
وقفا أمام باب خشبي كبير، طرقه شريف مرتين، ثم فتح دون انتظار رد.
الغرفة من الداخل كانت بسيطة، مكتب، كراسي وراجل في منتصف العمر يقف، كأنه كان منتظرهم.
رفع الرجل رأسه ونظر إلى سارة نظرة فاحصة، ثم قال بهدوء رسمي: سارة عبد الرحمن؟
أيوه. قالتها بتوتر.
اتفضلي وأشار إلى الكرسي.
جلست وشريف وقف بجانبها ثابت كأنه جزء من المكان.
إنتي عارفة ليه إنتي هنا؟ سألها الرجل.
نظرت إلى شريف، ثم عادت بعينيها إليه:
لحد دلوقتي، لأ.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال:
عشان كده إحنا هنا.
شدّت أصابعها بعضها وقلبها بدأ يدق أسرع وهي تشعر أن اللحظة التي كانت تخشاها تقترب.
شريف انحنى قليلًا نحوها وهمس:
فاكرة لما قولتلك المفاجأة عمرك ما هتنسيها؟
نظرت إليه وعيناها مليئة بالأسئلة.
أيوه.
إحنا لسه في أولها.
وفي تلك اللحظة، أدركت سارة أن ما ظنته مزحة، لم يكن كذلك أبدًا وأن الطريق الذي دخلته للتو، لا عودة منه بسهولة.
جلست سارة على الكرسي الخشبي وظهرها مستقيم رغم الارتباك، بينما كانت تنظر حولها، تحاول قراءة المكان، لكن الغرفة بدت عادية أكثر مما توقعت.
لم يكن هناك شيء مخيف، فقط هدوء ثقيل وصوت ساعة حائط يعد الوقت ببطء، كأن اللحظة نفسها قررت أن تتمدد قبل أن تنفجر بالحقيقة.
الرجل الجالس أمامها فتح ملفًا بني اللون، قلب صفحاته بهدوء، ثم رفع عينيه إليها مرة أخرى وكأنه يتأكد من شيء يراه واضحًا.
إنتي متوترة ليه؟ قالها بهدوء.
عشان مش فاهمة حاجة. ردت سارة بسرعة.
طبيعي. قالها وهو يهز رأسه.
نظرت إلى شريف، فوجدته واقفًا كما هو، هادئًا، ثابتًا، كأنه يعرف النهاية من البداية.
قالت اسمه بهمس.شريف. ممكن أفهم؟
انحنى قليلًا نحوها وقال بصوت منخفض:استني شوية.
تنفست بعمق وعادت بعينيها إلى الرجل.اتفضلي، كمل.
قالتها بنبرة متماسكة على قد ما تقدر.
أغلق الرجل الملف وقال ببساطة:إنتِ متهمة بعدم الوطنية.
فتحت عينيها بدهشة.نعم؟ يبقا كده تهمتين الإخلال بالنظام العام وعدم الوطنية يا مرارك يا سارة
مش بالمعنى اللي في دماغك. قالها بهدوء.
سكت لحظة، ثم أكمل:إنتِ بتهربي.
بهرب من إيه؟ قالتها باستغراب.
من الاستقرار. قالها من غير تردد.
شعرت الكلمة وكأنها لمست شيئًا مكشوفًا داخلها، شيء كانت تتجنبه عمدًا منذ سنوات.
نظرت إلى الأرض، ثم رفعت رأسها ببطء.أنا مش جاهزة.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.محدش بيبقى جاهز.
تحرك شريف خطوة للأمام وقال بنبرة هادئة:بس في ناس بتستنى وناس بتاخد خطوة.
نظرت إليه سارة وعيناها مليئة بالتردد.وأنا؟
ابتسم شريف.إنتِ واقفة في النص.
عاد الرجل للكلام: شريف قدم طلب.
طلب إيه؟ قالتها سارة بسرعة، كأنها تخشى أن يسبقها المعنى إلى قلبها قبل أن تسمعه بأذنيها.
طلب بداية. قالها ببساطة، دون زخرفة، كأن الكلمة وحدها تكفي لتغيير كل شيء.
سكت المكان، كأن الجدران نفسها قررت الإصغاء وشعرت سارة بأن صدرها يضيق وأن الهواء لم يعد يصل كما ينبغي.
بداية إيه؟ خرج السؤال منها مرتبكًا، خائفًا من الإجابة قبل أن تُقال.
اقترب شريف خطوة وقال بهدوءٍ متعمد: حياة جديدة.
ضحكت ضحكة قصيرة، مهزوزة، تشبه محاولة يائسة للهروب.
بالطريقة دي؟
هز رأسه ببطء. بالطريقة اللي تفوق.
سكتت لحظة، ثم همست بصوت منخفض، كأنها تخشى أن يسبق خوفها الكلمات: أنا خايفة.
مد يده وأمسك يدها بثبات مقصود، كأنه يحاول أن يطمئنها بالفعل قبل القول: وأنا كمان زيك.
رفعت عينيها إليه بدهشة حقيقية وقد بدا السؤال أثقل من مجرد فضول: اومال ليه؟
ابتسم ابتسامة رجلٍ قرر أن يمضي قدمًا رغم الارتجاف الذي يسكنه:عشان الخوف مع بعض أهون.
وقف الرجل خلف المكتب وقال بنبرة هادئة لا تحمل ضغطًا ولا إكراهًا:القرار عندك.
قرار إيه؟ سألت وكأنها تعرف الإجابة، لكنها ترفض الاعتراف بها.
تكملة أو انسحاب قالها ببساطة دون تهديد.
لفت سارة وجهها نحو شريف وكأنها تبحث في ملامحه عن ضمانٍ أخير: لو قلت لأ؟
رد فورًا، بلا تردد أو مراوغة: هرجعك البيت.
ولو قلت آه؟ ارتسمت على وجهه ابتسامة البداية: نبدأ.
سكتت ثواني ثم قالت كمن يخلع عن صدره ثقلًا قديمًا: أنا تعبت من هروبي من امتى هنحدد ميعاد الفرح.
شد على يدها وقال بصوتٍ يحمل ارتياحًا واضحًا: أخيرًا.
أغلق الرجل الملف وقال وهو ينهض من مكانه:كده نقدر نقول إن في إفراج.
إفراج؟ قالتها باستغراب صريح.
أيوه. قالها وهو يتجه نحو الباب. القبض كان إجراء، مش عقاب.
خرجت من المكتب وأنا تائهة، كأن الأرض قد اتسعت فجأة تحت قدمي وركبنا السيارة، لكنها لم تكن سيارة رسمية هذه المرة بل سيارته العادية.
كان الطريق طويلًا والصمت يملأ المسافة بيننا وأنا غارقة في أفكاري وهو يقود، إلى أن قال بعد برهة: مش هتسأليني؟
خايفة من الإجابة. قلت دون أن ألتفت إليه.
توقّف أمام عمارة بسيطة، هادئة، لا تلفت النظر، لكنها تحمل طمأنينة غريبة، فصعدنا وفتح شقة ودخلت.
كانت الشقة خالية. لكنها مهيأة. جدار أبيض، ضوء الشمس يتسلل إلى الداخل وفي المنتصف مفتاح موضوع على طاولة صغيرة وبجواره ورقة.
قرأتها ببطء: مشروع الوطن المرحلة الأولى
لففتُ ونظرت إليه: إنت بتعمل إيه؟
اقترب مني وقال بثقة هادئة: ببني.
وأنا؟ سألته وقد انكسر صوتي.
إنتي حجر الأساس هنا في الشقة دي.
جلست على الكرسي وعقلي عاجز عن الاستيعاب ونطقت اسمه لأول مرة دون خوف: سيف. أنا خايفة أفشل.
جلس أمامي وأمسك يدي: وأنا خايف أستنى أكتر.
ساد الصمت بيننا قليلًا، صمتٌ ممتلئ بكلام لم ينطق.
طب لو طلعت مش قد المسؤولية؟ سألته.
ابتسم ابتسامة تعليم لا إنقاذ: نبقى نتعلم.
رنّ هاتفه، فأجاب: أيوه يا عمي؟
سكت لحظة، ثم قال: أيوه. خلاص الحجر اخيرا نطق.
أغلق الهاتف ونظر إلي: باباكي بيقولك مبروك.
ضحكت وسط دموعي وسألت: يعني كده خلاص؟
اقترب مني ووضع جبينه على جبيني: القبض تم. بس الإفراج كمان تم.
أمسكت يده وشعرت للمرة الأولى أن الخوف ليس شيئًا قبيحًا،
وأن الوطن قد يكون إنسانًا وأن بعض الأيدي حين تمسكك. لا تقيدك، بل تحررك.
تمت بقلم سلمى