مرات ابويا

لمحة نيوز

​مرات أبويا كلمتني الصبح بدري وقالت لي بكل برود: "أنا بعت بيتك عشان أعلمك الأدب والاحترام من أول وجديد." وزودت على كلامها إن الملاك الجداد هيستلموا البيت الأسبوع الجاي. صوتها كان فيه فخر ونبرة حد متأكد إنه انتصر أخيراً. بس الحاجة اللي كانت هتخليني أبتسم مش الكلام اللي قالته — لأ، الحاجة اللي هي ما كانتش تعرفها. بعد كام يوم من عزا أبويا، كنت قاعدة في مكتب خاص قدام المحامي بتاعه، وعرفت إن أبويا كان عامل حسابه ومجهز نفسه للغدر ده بالظبط.
​— "صباح الخير يا ميرفت،" قولت لها بنبرة هادية ومتزنة.
​قالت لي على طول من غير حتى ما تقول سلام عليكم:
— "أنا بعت البيت. الأوراق كلها اتأمضت والمشترين هيستلموا الأسبوع الجاي."
​بصيت من شباك المطبخ على الجنينة اللي ورا. شجر الورد اللي بابا كان زارعه بدأ يفتح تاني، وكان منور براحة تحت شمس الضهرية.
​سألتها بكل برود:
— "البيت؟ بيت إيه؟"
​نترت فيا وقالت:
— "أنتِ عارفة كويس أوي أنهي بيت. يمكن دلوقتي بقى تتعلمي إزاي تحترمي الأكبر منك."
​كانت فاكرة إن الكلمتين دول هيكسروني أو يوجعوني. بس الحاجة الغريبة إن كلامها عدى عليا ولا الهوا، ولا هز فيا شعرة.
​حطيت مج القهوة براحة على رخامة المطبخ اللي بابا كان مصلحها ومجددها بإيده من سنين. ميرفت دي زمان حاولت تقنعه يغيرها ويجيب مكانها حاجة مودرن وبتلمع. كانت عاوزة تشيل الأرضيات الخشب، وتدهن الحيطان كلها، وتركب شبابيك ألوميتال ضخمة في البيت كله. البيت بالنسبالها كان مجرد سبوبة واستثمار. بس بالنسب لـ بابا، البيت ده كان حتة من عمره وحياته.
​رديت عليها بصوت واطي:
— "القرار ده كبير وخطير أوي.. أتمنى بس الكل يكون راجع العقود دي كويس."
​الخط قطع فيه السكوت لثواني.
سألتني بشك وعصبية:
— "تقصدي إيه بالظبط بالكلام ده؟"
​رديت:
— "ولا حاجة.. بتمنالك التوفيق مش أكتر."
​ضحكت ضحكة صفرا فيها كمية شماتة وفوقية، من نوع الضحك اللي الناس بتستعمله عشان تحسس اللي قدامها إنه قليل وصغير.
​وكملت كلامها:
— "معاكي لحد يوم الجمعة.. المشترين عاوزين يبدأوا في التوضيبات والهد على طول."
​التوضيبات.
​الكلمة دي لخصت لي كل حاجة. ميرفت لسه مش فاهمة أي حاجة في البيت ده. لسه شايفة إنه مجرد مساحة بالمتر وسعر بيع في السوق. عمرها ما فهمت ليه بابا كان بيعشق السلم الخشب المحفور، ولا قعدات الشبابيك الغريقة، ولا القفل النحاس القديم بتاع باب أوضة المكتب، ولا حتى شكل الغروب وهو جارس على البلكونة القديمة كل يوم بالليل ويقلبها دهب.
​قولت لها:
— "تمام، شكراً إنك عرفتيني."
​وقلبت السكة وقفت المكالمة قبل ما تلحق تعيش اللحظة وتتبسط أكتر من كده.
​المطبخ رجع له الهدوء تاني. صوت الثلاجة كان طالع براحة في الخلفية. ومن بعيد بره، كلب هوهى هوهوة واحدة وسكت. مسكت تليفوني وطلبت أستاذ رأفت المحامي.
​رد عليا تقريباً من أول رنة.
قال لي بنبرة كلها حنية:
— "جيهان.. كان قلبي حاسس إنك هتكلميني النهاردة."
​قولت له:
— "هي عملتها فعلاً.. بعت البيت."
​سكت ثانية واحدة، وبعدين صوته الهادي رجع تاني وقال:
— "تمام، أنا فاهم. يبقى نبدأ نتحرك وننفذ خطتنا."
​شرحت له:
— "أنا بس مش عاوزة الملاك الجداد يتفاجأوا أو يتظلموا. أرجوك اتأكد إنهم فاهمين الليلة والوضع بالظبط قبل ما يمضوا على أي حاجة نهائية."
​رد عليا وقال:
— "الخطوة دي بدأت فعلاً من شوية...."

رد عليا وقال: — "الخطوة دي بدأت فعلاً من شوية. المشترين وصلوا المكتب الصبح، ولما راجعنا العقود اكتشفوا إنهم كانوا داخلين في مصيبة كبيرة."
غمضت عيني للحظة، وافتكرت بابا وهو قاعد قدامي قبل وفاته بشهرين. كان تعبان، وشكله مرهق، لكنه كان مركز بشكل غريب.
وقتها قال لي: — "في ناس يا جيهان، أول ما الإنسان يقع أو يموت، يبان معدنها الحقيقي. وأنا مش هسيبك لوحدك."
ماكنتش فاهمة قصده بالكامل وقتها.
لحد اليوم ده.
أستاذ رأفت كمل كلامه: — "والدك نقل ملكية البيت بالكامل قبل وفاته بست شهور." سكت ثانية وبعدين قال: — "البيت باسمك إنتِ."

تم نسخ الرابط