مرات ابويا
ابتسمت وأنا ببص حواليا للمطبخ القديم. كل تفصيلة فيه كانت شاهدة إن بابا عمره ما كان ساذج.
ميرفت كانت فاكرة إن عقد الجواز يديها الحق في كل حاجة. بس بابا كان أذكى منها بمراحل.
سألته: — "وهي ماكنتش تعرف؟"
ضحك ضحكة خفيفة وقال: — "واضح إنها ما كانتش بتراجع أي حاجة غير اللي على مزاجها. والدك ساب لها حق الانتفاع المؤقت بعد وفاته عشان تفضل قاعدة، لكن البيع؟ مستحيل يتم من غير توقيعك."
سندت ضهري على الرخامة وأنا بحس لأول مرة من يوم وفاة بابا إني قادرة أتنفس.
مش علشان البيت رجع. لكن علشان بابا حتى بعد موته كان بيحميني.
قلت: — "والمشترين؟"
قال: — "أول ما عرفوا الحقيقة اتقلب حالهم. الراجل اللي كان ناوي يشتري البيت جاله شبه انهيار لما فهم إن اللي باعته أصلاً ماعندهاش صلاحية."
في اللحظة دي، تليفوني رن.
ميرفت.
رديت بهدوء.
لكن المرة دي صوتها ماكنش ثابت زي الصبح.
كانت بتتنفس بسرعة وقالت بعصبية: — "إنتِ عملتي إيه؟!"
بصيت لصورة بابا المعلقة جنب السفرة. صورته وهو بيضحك نص ضحكة هادية كعادته.
وقلت: — "أنا؟ ولا حاجة خالص."
صرخت: — "المشترين لغوا البيع! والمحامي بيقول إن البيت مش من حقي!"
رديت بهدوء أبرد من التلج: — "أصل البيت فعلاً مش من حقك."
سكتت.
النوع ده من السكوت اللي بيبقى فيه عقل الإنسان بيحاول يستوعب الصدمة.
همست: — "إزاي؟"
قلت: — "اسألي نفسك ليه بابا عمره ما خلاكي تدخلي مكتبه لوحدك."
سمعت صوت حاجة بتقع عندها. غالباً كوب أو فازة.
وبعدين قالت بصوت مهزوز: — "هو كان مخبي عليا؟"
رديت: — "كان بيحميني."
وقبل ما ترد، قلت آخر جملة وأنا ببص للجنينة اللي كان بيعشقها:
— "البيت ده بابا بناه لعيلته… مش لحد يبيعه أول ما يغمض عينه."
وقفلت المكالمة.
بعدها بساعتين، ميرفت جت البيت بنفسها.
وشها كان أصفر، والمكياج سايح من العرق والتوتر. أول مرة أشوفها بالشكل ده.
دخلت الصالون تبص حواليها كأنها شايفة المكان لأول مرة.
السلم الخشب. النجف القديم. ريحة القهوة اللي متشبعة في الحيطان.
يمكن لأول مرة فهمت إن البيت ده عمره ما كان مجرد عقار.
قالت وهي بتحاول تحافظ على كرامتها: — "أبوك ظلمني."
ضحكت بخفة. مش شماتة.
وجع.
وقلت: — "لا… إنتِ اللي ظلمتي نفسك."
قعدت وسكتت شوية. وبعدين سألتني: — "هتطرديني؟"
السؤال نفسه فاجأني.
الست اللي كانت من كام ساعة بتطردني من بيتي… دلوقتي خايفة تتطرد.
افتكرت بابا. وافتكرت إنه رغم كل حاجة، عمره ما رباني على القسوة.
فقلت: — "معاكي شهر ترتبي حياتك وتمشي بهدوء."
بصتلي بدهشة.
كملت: — "بس قبل ما تمشي… سيبي البيت زي ما هو. ماتهدوش، ماتغيروش، وماتلمسيش أي حاجة بابا عملها بإيده."
عينها اتهزت للحظة. واضح إنها فهمت الرسالة.
ده ماكانش انتقام.
ده كان حفاظ على آخر حتة من ريحة أبويا في الدنيا.
وفي الليلة دي، لأول مرة من يوم العزا، طلعت البلكونة القديمة وقت الغروب.
الشمس كانت نازلة ببطء، وصابغة الشبابيك بلون دهبي دافي.
نفس المنظر اللي بابا كان يقعد يتفرج عليه كل يوم.
وقتها بس حسيت إن البيت رجع لصاحبه الحقيقي.
مش أنا.
ولا ميرفت.
لكن للذكرى… وللحب اللي اتبنى بين حيطانه سنة ورا سنة.